لو أن في العالم مسابقات تشترك فيها الأزهار والنباتات عامة، فمن المؤكد أن زهور الأوركيد ستحصل على الميدالية الذهبية، وستسجل أرقاماً قياسية في عدد الأنواع وأساليب التكيف. فهي من أكبر الفصائل النباتية، إذ يصل عدد أنواعها إلى ٣٥٠٠ نوع، تنمو وتزدهر في معظم مناطق العالم. ولكل نوع شكله المميز وطريقة معيشته، فبعض الأنواع يعيش على الأرض، وبعضها يعيش في الماء، أو يتدلى من أغصان الأشجار، وهناك أنواع تفضل العيش تحت سطح الأرض، ولا يظهر منها سوى فرع رفيع يحمل زهرة وحيدة.
ولا تضرب الأوركيد الرقم القياسي في عدد أنواعها فقط، بل في صغر بذورها أيضاً، إذ لا يزيد طول البذرة على ثلث المليمتر. لذلك تحتوي ثمرة الأوركيد على مئات الألوف من هذه البذور، وقد يصل عددها في الثمرة الواحدة عند بعض الأنواع إلى مليون ونصف المليون بذرة. وتمتد عجائب هذه الزهور إلى عالم الدهاء النباتي، فلكي تجذب نحل العسل والحشرات لنقل حبوب اللقاح بين الأزهار، تستخدم المكر والخداع. فهي لا تمتلك رحيقاً شهياً يجذب الحشرات أو الطيور، لذلك تتخذ أشكالاً مختلفة تصل أحياناً إلى إغراء ذكور الحشرات بالاقتراب منها، بعد أن تتخذ شكلاً يشبه الإناث. وعند اقتراب الذكور من هذه الحبيبة الوهمية، تلتصق حبوب اللقاح بأجسامها لتنقلها إلى أزهار أخرى. وأحياناً تغري أزهار الأوركيد نوعاً من الطيور بالاقتراب منها عن طريق روائح خاصة وشكل يناسب منقاره. وعندما ينجذب إليها، تضع حبوب اللقاح في ريشه، لينقلها بعد ذلك إلى أزهار أخرى تحتاج إلى هذه الحبوب، وبذلك يتحقق استمرار حياة الأوركيد وتكاثر أنواعها بفضل أساليبها المدهشة في جذب الكائنات الأخرى.