منابع النيل كانت من أصعب مسائل الاستكشاف، لأن النهر ينبع في منطقة جبلية بعيدة، وتجري في طريقه شلالات متعددة وبحيرات كثيرة، فيصعب تحديد منبعه حين لا يكون للنهر منبع واحد وحسب، بل منابع متعددة. في زمن الفراعنة صعد بعض المسافرين مجرى النهر وبلغوا الشلال الرابع، تلك العتبة الصخرية التي تشكلها جبال القمر، والتي لم تكن السفن قادرة على اجتيازها. وتمكن اثنان من قواد المئة الرومان، أرسلهما نيرون، من الوصول إلى مستنقعات واسعة تعذر اختراقها، فظنا خطأ أنها منابع النيل. وفي القرن السادس عشر اكتشف للنيل منبع ثان في جبال الحبشة، وهو المنبع الذي ينشأ منه النهر المعروف اليوم بالنيل الأزرق. ثم انطلق رائدان إنكليزيان، هما سبيك وغرانت، من زنزبار إلى بحيرة فكتوريا، وبلغا مصر هابطين مجرى الماء الخارج من ذلك الخزان الكبير، وبذلك كشفا منبعًا ثالثًا للنيل. وفي وقت لاحق اكتشف رائد إنكليزي آخر إلى غربي بحيرة فكتوريا بحيرة ألبرت، التي تزود النهر بماء يجري باتجاه الشمال ومصر، وعدها منبع النيل الرابع. وهكذا جمعت عناصر الأحجية، إذ تتعاون بحيرتا فكتوريا وألبرت على ولادة النيل الأبيض، ثم يلتقي هذا الماء بنهر العطبرة الذي توقف مستنقعاته البعثة الرومانية، وبالنيل الأزرق النابع من جبال الحبشة، فينشأ من اجتماعها نهر النيل العظيم.