باريس لم تكن عند ولادتها إلا قرية صغيرة قائمة على جزيرة من جزر نهر السين، تقطنها قبيلة سلتية هي قبيلة الباريزيين. وكانت أكواخ الباريزيين تؤوي بصورة خاصة عائلات الصيادين والتجار الذين يؤمنون عبور النهر. وفي سنة ٥٢ ق.م احتل جيش روماني يقوده اليانوس تلك القرية الغالية واستقر فيها، فدعيت القرية منذ ذلك التاريخ لوتاسيا. وضاقت الجزيرة الصغيرة بسكانها من الغاليين والرومان، فانتقلوا منها إلى ضفة السين الشمالية، وبنوا على مقربة من مساكنهم عددًا كبيرًا من الأبنية العامة، ومنها الحمامات والفوروم وحلبات المباراة والهياكل وميدان سباق الخيل. وكانت القرية النامية تزود بالمياه اللازمة عبر قناة مرفوعة على جسر، وكانت لوتاسيا بفضل ذلك، وبفضل التلال المحيطة بها، من هضبة مرتر إلى الهضبة الحمراء، إلى هضبة السمن، إلى تلال شومون، إلى الجبل الذي سيحمل اسم القديسة جونفيف، بعد هجمة الهون سنة ٤٥١، مربعًا يطيب فيه العيش، فاتخذه الإمبراطور الروماني جوليان مقرًا مفضلًا لإقامته. ويبدو أن احتياجات البرابرة في القرنين الثالث والرابع أرغمت السكان على الاحتماء وراء أسوار عالية رفعوها لحماية الجزيرة الصغيرة البدائية. وهكذا عادت لوتاسيا مدينة الباريزيين، أو مدينة باريس كما أخذوا يدعونها، وهو الاسم الذي نجده للمرة الأولى حوالي سنة ٣٠٠ على بعض أنصاب الطرقات الرومانية في المنطقة. وفي أواخر القرن الخامس أمست باريس عاصمة مملكة كلوفيس الفرنجية، وحوالي سنة ١٠٠٠ غدت عاصمة المملكة الكابيسية، أي عاصمة مملكة فرنسا.