تفاصيل عملية سوزانا
* تدور قضية الجاسوسية في الشرق الأوسط حول أثر المعلومة في تغيير مصير الدول والشعوب، فخبر يصل متأخراً أو معلومة تُحلَّل بطريقة خاطئة قد يقودان إلى هزائم سياسية وعسكرية كبيرة. وفي المقابل، قد يتمكن شخص واحد داخل شبكة سرية من تعطيل مشروع كامل أو كشف خطط دولة، لذلك بقيت الاستخبارات جزءاً دائماً من معادلات الحرب والسلم في المنطقة.

* تمثل قبرص واحدة من أكثر الساحات حساسية في عالم الاستخبارات، بسبب موقعها القريب من الشرق الأوسط وانفتاحها على أطراف متعددة. هذه الجزيرة الصغيرة تحولت عبر العقود إلى نقطة عبور ومراقبة ولقاء بين أجهزة مختلفة، من بينها أجهزة غربية وإسرائيلية وعربية، ولم تكن أهميتها نابعة من حجمها الجغرافي، بل من موقعها بين أوروبا والشرق الأوسط.

* لم تكن قبرص بعيدة عن التنافس الاستخباري الدولي، فوجود القواعد البريطانية ومواقع التنصت الغربية جعلها منصة مراقبة مهمة للمنطقة. كما أن قربها من فلسطين ولبنان وسوريا ومصر وتركيا جعلها ساحة مناسبة للعمليات السرية، سواء في جمع المعلومات أو مراقبة التحركات السياسية والعسكرية.

* العلاقة بين قبرص وإسرائيل مرت بمراحل معقدة، إذ ظهرت مؤشرات على تعاون أمني وسياسي في فترات معينة، إلى جانب علاقات شخصية بين مسؤولين قبرصيين وإسرائيليين. وفي المقابل، بقيت قبرص حريصة على عدم خسارة علاقاتها مع العرب والفلسطينيين، نظراً لأهمية محيطها العربي وموقعها القريب من الشرق الأوسط.

* ارتبطت عملية سوزانا ببدايات النشاط الاستخباري الإسرائيلي ضد مصر في الخمسينيات، حين جرى تشكيل شبكة من اليهود المصريين وغير المصريين لتنفيذ عمليات تهدف إلى إفساد علاقات مصر بالولايات المتحدة وبريطانيا. اعتمدت الخطة على التفجيرات والحرائق والعمليات السرية التي كان يفترض أن تُنسب إلى أطراف أخرى، بما يخلق حالة من القلق وعدم الثقة في مصر.

* بدأت عملية سوزانا فعلياً بوصول العميل ليفي إفرايم، المعروف باسم جون دارلينغ، إلى مصر متخفياً في شخصية ضابط إنجليزي. عمل على بناء شبكة سرية ضمت عدداً من الأسماء التي ارتبطت لاحقاً بواحدة من أشهر القضايا الاستخبارية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وكان من بين الأسماء التي ظهرت في ذلك السياق إيلي كوهين، الذي ستصبح له لاحقاً قصة أخرى في سوريا.

* سقطت الشبكة المرتبطة بعملية سوزانا بالصدفة في ٢٣ يوليو ١٩٥٤، عندما اشتعلت عبوة كيميائية قبل موعدها في جيب فيليب ناتسون أمام سينما ريو في الإسكندرية. كشفت تلك الحادثة الخطة السرية، وفتحت الباب أمام أزمة سياسية وأمنية كبرى داخل إسرائيل، لأنها أظهرت تورط شخصيات عليا في عملية كانت تستهدف زعزعة علاقة مصر بالغرب.

* تزامنت تلك المرحلة مع بدايات بناء جهاز استخبارات مصري أكثر تنظيماً، إذ كانت مصر تبحث عن أدواتها الخاصة في العمل السري. وفي هذا السياق ظهر اسم رفعت الجمال، المعروف باسم رأفت الهجان، الذي أصبح لاحقاً من أشهر الأسماء في الذاكرة المصرية والعربية المرتبطة بالعمل الاستخباري داخل إسرائيل.

* دخل رفعت الجمال إلى إسرائيل باسم جاك بيتون، بجواز سفر إسرائيلي وهوية بديلة، وعاش في تل أبيب وسط مجتمع كان يفترض أنه ينتمي إليه. امتلك غطاءً اجتماعياً ومهنياً مكّنه من الحركة وجمع المعلومات، وتحول مع الوقت إلى مصدر شديد الأهمية للمخابرات المصرية في قلب إسرائيل.

* ارتبط اسم رأفت الهجان بمعلومات حساسة عن إسرائيل، منها ما يتعلق بموعد حرب ١٩٦٧، وخرائط خط بارليف، وكشف بعض الجواسيس الإسرائيليين. وعلى الرغم من الجدل الإسرائيلي حول حجم دوره الحقيقي، بقيت صورته في الرواية المصرية رمزاً لقدرة العميل الفرد على اختراق بيئة معادية والعيش داخلها لسنوات طويلة.

* تحمل قصة إيلي كوهين بعداً مهماً في الصراع الاستخباري، فقد وُلد في الإسكندرية وهاجر لاحقاً إلى إسرائيل، ثم أُرسل إلى الأرجنتين قبل أن يدخل سوريا بهوية كامل أمين ثابت. استطاع هناك اختراق دوائر سياسية واجتماعية مهمة، قبل أن يُكشف أمره ويُعدم في دمشق عام ١٩٦٥ أمام جمهور واسع.

* ارتبط كشف إيلي كوهين، بحسب الرواية المصرية، برسالة خرجت من تل أبيب بعد أن تعرف عميل مصري في إسرائيل على صورته وسأل عن هويته. وصلت المعلومة إلى القاهرة ثم إلى دمشق، لينتهي بذلك واحد من أشهر ملفات التجسس الإسرائيلية في المنطقة، رغم استمرار الجدل حول تفاصيل سقوطه وحجم المعلومات التي قدمها.

* لا يقوم العمل الاستخباري على التكنولوجيا وحدها، رغم أهمية الأقمار الصناعية والتنصت الإلكتروني وأجهزة التشفير. فالعميل البشري يظل مهماً عندما يكون موجوداً في موقع حساس داخل دولة مستهدفة، لأن بعض المعلومات لا يمكن التقاطها بالأجهزة وحدها، بل تحتاج إلى شخص يفهم البيئة ويقرأ العلاقات والقرارات من الداخل.

* شهدت قبرص عدداً من العمليات المرتبطة بالموساد وبالفصائل الفلسطينية، وتحولت بعض مدنها وموانئها وفنادقها إلى ساحات مراقبة ومطاردة واغتيال. اغتيال شخصيات فلسطينية أو ملاحقة مسؤولين ونشطاء هناك يعكس كيف تحولت الجزيرة إلى امتداد للصراع العربي الإسرائيلي خارج ساحات المواجهة المباشرة.

* في عام ١٩٧٩ اغتيل أبو صفوت فارضي، أحد مساعدي أبو جهاد، في نيقوسيا، ومعه سمير طوقان من مكتب منظمة التحرير الفلسطينية. بقيت العملية واحدة من أمثلة استخدام قبرص كساحة لتصفية حسابات سياسية وأمنية، خصوصاً أن منفذي العمليات السرية كانوا يدخلون ويغادرون بوسائل معقدة يصعب تتبعها.

* تعرضت شخصيات فلسطينية وعربية أخرى في قبرص ومالطا وروما وتونس لعمليات اغتيال أو محاولات استهداف، من بينها فتحي الشقاقي ويحيى عياش وخالد مشعل وأبو جهاد. تكشف هذه العمليات أن الاغتيال السياسي كان أداة رئيسية في الصراع، وأن الحدود الجغرافية لم تكن تمنع أجهزة الاستخبارات من ملاحقة خصومها.

* جاءت حادثة اقتحام القارب الإسرائيلي في ميناء لارنكا عام ١٩٨٥ ضمن سلسلة الردود والعمليات المتبادلة، بعدما قُتل ثلاثة عملاء للموساد على يد مسلحين. أعقب ذلك تصعيد كبير، من بينها هجوم إسرائيلي على مقر منظمة التحرير في تونس، ثم عمليات أخرى ارتبطت بسياق الرد والانتقام المتبادل.

* لم تقتصر العمليات السرية في قبرص على الاغتيالات، بل شملت مراقبة الاتصالات ومحاولات العبث بخطوط الهاتف والسفارات. فقد ضُبط إسرائيليون في بداية التسعينيات وهم يعبثون بصندوق خطوط هاتفية تابع للسفارة الإيرانية في نيقوسيا، في مشهد يعكس أهمية التنصت والاتصالات في النشاط الاستخباري.

* أثار التساهل القبرصي أحياناً مع بعض المتهمين الإسرائيليين انتقادات وشكوكاً، خصوصاً عندما أُفرج عن مشتبهين أو صدر عفو في قضايا حساسة. وفي المقابل، يرى آخرون أن قبرص دولة صغيرة تحاول الموازنة بين قوى كبرى ومصالح متضاربة، ما يجعلها مضطرة أحياناً إلى حل الأزمات بطرق غير رسمية.

* اعتمدت المخابرات المصرية في تجربة رأفت الهجان على تقنيات اتصال وتشفير متقدمة بالنسبة لزمانها، إلى جانب أساليب تقليدية في إرسال الرسائل وإخفاء المعاني. كان العمل السري يحتاج إلى مزيج من الذكاء البشري والتقنية والصبر الطويل، لأن أي خطأ صغير في رسالة أو لقاء قد يؤدي إلى كشف العميل وانهيار العملية كلها.

* غيّرت التكنولوجيا قواعد العمل السري، فالأقمار الصناعية والتنصت الإلكتروني والاتصالات المشفرة أصبحت أدوات أساسية في جمع المعلومات. ومع ذلك، لم تُلغِ هذه الأدوات دور العميل البشري بالكامل، لأن التكنولوجيا قد تسمع أو ترى، لكنها لا تستطيع دائماً فهم النوايا أو قراءة الصراعات الداخلية داخل المؤسسات والأنظمة.

* يواجه العمل الاستخباري العربي إشكالية متكررة في الذاكرة العامة، إذ يظهر غالباً في مواجهة المواطن العربي أكثر مما يظهر في مواجهة أجهزة معادية. هذه المفارقة تطرح سؤالاً عن طبيعة استخدام أجهزة الأمن، وهل تُوجَّه لحماية الدولة ومصالحها الاستراتيجية، أم تتحول أحياناً إلى أداة للسيطرة الداخلية.

* تضخمت صورة الموساد في الوعي العربي إلى حد كبير، بسبب كثرة الروايات المرتبطة بعملياته الخارجية واغتيالاته واختراقاته. ومع ذلك، لا تعني هذه الصورة أنه جهاز لا يخطئ، فقد واجه إخفاقات متعددة في تقدير المواقف، ومنها الفشل في قراءة حرب أكتوبر ١٩٧٣ أو الانتفاضة الفلسطينية الأولى بصورة صحيحة.

* أظهرت الانتفاضة الفلسطينية أن كثرة مصادر المعلومات لا تعني بالضرورة نجاح التقدير الاستخباري. فرغم وجود عدد كبير من المتعاونين ومصادر المعلومات داخل المناطق الفلسطينية، فشلت أجهزة إسرائيل في فهم طبيعة الانفجار الشعبي في بداياته، ما يدل على أن المعلومات الخام لا تكفي إذا غاب التحليل الصحيح.

* تمتلك التنظيمات الفلسطينية خبرة ميدانية في جمع المعلومات داخل بيئتها، لأن الوصول إلى التفاصيل المحلية يكون أسهل عندما يأتي من أبناء المجتمع نفسه. معرفة حركة الدوريات، وسلوك الضباط، ومواقع السلاح، وطبيعة الأشخاص، كلها معلومات ميدانية قد تبدو صغيرة، لكنها تتحول في العمل الأمني إلى عناصر مؤثرة.

* لا ينتهي العمل الاستخباري بانتهاء الحروب أو توقيع الاتفاقيات، لأن التجسس والاختراق والاغتيال وجمع المعلومات تظل أدوات حاضرة في عالم لا يقوم فقط على الثقة. وحتى في فترات السلام، تستمر الدول في مراقبة بعضها بعضاً، لأن المصالح والشكوك وحسابات القوة لا تختفي بمجرد وجود اتفاق سياسي.

* تكشف عملية سوزانا وما تلاها من قصص في قبرص وإسرائيل ومصر وسوريا أن الاستخبارات ليست هامشاً في التاريخ، بل جزء من صناعته. فقد تسقط شبكة بسبب عبوة تشتعل قبل موعدها، وقد يتغير مصير عميل بصورة واحدة أو رسالة قصيرة، وقد تؤدي معلومة في الوقت المناسب إلى إنقاذ دولة أو كشف اختراق خطير.

* تبقى الجاسوسية عالماً قائماً على الخفاء والتناقض، فهي تجمع بين البطولة والخيانة، وبين حماية الوطن وانتهاك حياة الآخرين، وبين التقنية الباردة والمغامرة البشرية القاتلة. وفي الشرق الأوسط تحديداً، تبدو هذه القصص أكثر تعقيداً لأنها لا تنفصل عن الاحتلال والحروب والحدود المشتعلة وصراع الذاكرة والرواية.
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة