اعتادت جماعة من الفنانين التجريبيين، الذين أطلقوا على أنفسهم «لي نابي»، الاجتماع حول مائدة العشاء في أحد مطاعم باريس لتجاذب أطراف الحديث. وقد افتقرت هذه الجماعة إلى التنظيم والزعامة، إذ إن أعضاءها قنعوا بالاجتماع وتبادل الأفكار وعرض اللوحات. والجدير بالذكر أن جماعة «لي نابي» هذه تأثرت بأسلوب الفنان أوديلون ريدون Odilon Redon، ١٨٤٠-١٩١٦، وهو نفس الأسلوب الذي انتهجه الرسام الشهير جوجان. وكان نقيضا للتأثيرية التقليدية، التي تناولت المظهر العادي للمألوف من الأشياء. أما ريدون، فقد آمن بسيطرة الأفكار والأحاسيس اللاشعورية على الفنان، ومن ثم فإن اللوحة الفنية ما هي إلا تعبير عن خيال الرسام وأحلامه.
وسمي أسلوب ريدون فيما بعد بالرمزية، التي كانت مطابقة تماما لأفكار جوجان، الذي رفض محاكاة الطبيعة كما هي، وشعر بوجوب انعكاس أحاسيسه، وكل ما يصوره خياله، فيما ينتجه من لوحات. واستخدم جوجان في هذا أسلوبه المميز بالخطوط الزخرفية والألوان الناعمة الملمس. وكانت الرمزية أكثر الحركات الفنية جرأة وثورية في العهد الذي ظهرت فيه. وأعظم أنصارها الكاتب والرسام موريس دينيس، الذي لم يأبه بموضوع اللوحة، معلنا أنها أولا وقبل كل شيء مساحة مسطحة تكسوها ألوان جمعت بشكل معين.
وقد أدت ملاحظة دينيس إلى تكوين جماعة «لي نابي». ورواد «لي نابي» البارزون هم: بول رنسون، والمثال أريستيد مايول، وبيير بونار، وإدوار فيويار. وقد استعان بونار وفيويار بالأسلوب الزخرفي كنقطة بداية، وصمما مناظر داخلية متألقة بالألوان والأضواء، وانتهيا بدمج الرمزية مع شكل متطور من التأثيرية، وحصلا بذلك على منهج مميز عرف باسم التفصيلية Intimism.
والتأثيرية الحديثة مدرسة فنية لا يمكن إغفال ذكرها. وهي لا تمت بأدنى صلة إلى التأثيرية التقليدية، إذ إن الأخيرة تقترب إلى حد بعيد من فن التصوير. فالتصوير الفوتوغرافي عبارة عن تصويب الكاميرا، آلة التصوير، نحو منظر ما، وتسجيله كما هو على رقائق حساسة أو أفلام. وقد حاول المخلصون من أنصار التأثيرية التقليدية، أمثال مونيه وسيسلي، تحويل أعينهم إلى عدسات فوتوغرافية، ولوحاتهم إلى رقائق حساسة تسجل المرئيات تسجيلا آليا. ولكن عند التطبيق اختلف الحال بالطبع، إذ إن العقل البشري غير قادر على التصوير مثل الكاميرا، والعين البشرية، حتى عين مونيه، أعلى من تمسك بالتأثيرية التقليدية، تميل دائما إلى التغيير فيما تراه، سواء بالإضافة أو بالحذف أو بالتحوير؛ فلا يرى شخصان نفس المنظر بنفس الصورة.
وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإن التأثيريين دأبوا على تسجيل ما يرونه فقط، دون التغيير فيه. أما أتباع المدرسة التأثيرية الحديثة، فنجدهم يصرون على فرض أفكارهم الشخصية، وتضمينها ما تراه أعينهم.
ورائد هذه المدرسة هو جورج سورا، ١٨٥٩-١٨٩١، الذي تعمق في دراسة الألوان والبصريات. ويعتقد سورا في إمكانية الحصول على تأثير أكثر صدقا وتعبيرا إذا تركت «عين الرائي» تمزج ألوان اللوحة، بدلا من مزجها بالفرشاة على صفحة خلط الألوان، أي الباليته.
وإليكم شرح هذا الكلام: إن اللون الأخضر مثلا لون مركب نحصل عليه بمزج اللونين الأساسيين الأصفر والأزرق. ولرسم شجرة مثلا، امزج الأصفر والأزرق على الباليته لكي تحصل على اللون الأخضر المطلوب، ثم حدد الخطوط الخارجية للشجرة على لوحتك. هنا يدخل أسلوب سورا، الذي رسم داخل الشكل الخارجي للشجرة نقطا صغيرة منفصلة من الأصفر والأزرق، وترك عين الرائي، على مسافة معقولة من اللوحة، تقوم بعملية تجميع الألوان. وتحصل بذلك على درجة أكثر لمعانا وحيوية من اللون الأخضر. جرب هذه الطريقة بنفسك، تجد أنك تحصل على نفس النتيجة.
وقد أطلق على أسلوب التجميع البصري للألوان اسم التقسيمية و«البوينتيزم»، و«بوين» Point في اللغة الفرنسية معناها نقطة، ومن هنا جاءت تسميتها بالتنقيطية. وقام سورا بتحليل وتهذيب أسلوبه هذا إلى أن تمكن من الحصول على كل الألوان المطلوبة في شكل نقط، مستخدما في ذلك الألوان الأساسية والمركبة ومزجها باللون الأبيض.
ولم يقنع سورا بفرض عقله وإرادته على عنصر الألوان فحسب، بل فرضهما أيضا على تصميم اللوحة نفسه، مما يذكرنا بمنهج أساتذة الفن القدامى، فتيتيان ورافائيل Raphael لم يفكرا قط في الخروج بلوحاتهما إلى الخلاء ونقل المناظر التي يريانها أمامهما، لأن مرحلة تصميم اللوحات كانت تتم داخل المرسم.
وكان سورا يبدأ بتصميم لوحاته من رسومات دقيقة في «كشاكيل»، بدقة مشيدي الكباري. وقد دفعه إلى ذلك رفضه التام لأسلوب التأثيرية التقليدية، الذي يقوم على أساس أن العين «كاميرا» صماء.
وقد مات سورا عام ١٨٩١. ولما كانت لوحاته ضخمة ومعقدة، فقد نجم عن ذلك أن إنتاجه كان ضئيلا. وانتهج أسلوب سورا كثير من الفنانين، أهمهم بول سينياك، ١٨٦٣-١٩٣٥، وهنري إدمون كروس، ١٨٥٦-١٩١٠.