الكتابة وسيلة حفظ الأفكار ونقل الكلام، وهي التي أتاحت للإنسان أن يتجاوز حدود الذاكرة والمشافهة، ولذلك لا نعرف شيئًا دقيقًا عن شعوب ما قبل التاريخ لأنهم جهلوا الكتابة، فلم يستطيعوا أن ينقلوا إلينا شيئًا مفصلًا عن عاداتهم ولغاتهم وتاريخهم، وبقيت الرسوم التي عثر عليها على جدران المغارات من الشواهد الخطية الأولى التي تخبر حياة القدماء. ولدت الكتابات الأولى من الرسم، ولا ترقى آثارها إلى أبعد من أربعة آلاف سنة تقريبًا، وقد مثل الأشوريون والأزتيك والصينيون والمصريون الأفكار بإشارات ورموز، فصارت كتاباتهم قابلة للفهم، لكنها كانت تحتاج إلى الترجمة بكلمات مختلفة، إذ كانت قابلة لأن تقول أشياء متباينة بحسب السياق، كما كان هذا النوع من الكتابة يعتمد عددًا كبيرًا جدًا من الإشارات قد يبلغ عشرات الألوف، مما جعله غير عملي وغير دقيق. وأكثر الكتابات البدائية تطورًا هي الكتابات التي تعبر إشاراتها عن أصوات أو مقاطع يمكن أن تقرأ أو تلفظ لتشكل الكلمات والنصوص، وتنتمي إلى هذه الفئة الحروف المسمارية التي كان أهل بابل يكتبونها بأداة تشبه المسمار على ألواح من الخزف الطري اللين، ثم كانت هذه الرسائل توضع في الفرن لتقسو، ويحملها السعاة إلى المرسل إليهم. وكانت خمسمئة إشارة من هذه الإشارات كافية للتعبير عن كل شيء في ذلك الطور من الكتابة. ومع ولادة الأبجدية تبسط كل شيء، ويعد الفينيقيون أول مستعمليها المعروفين، وذلك منذ نحو أربعة آلاف سنة؛ فالحرف في الأبجدية يمثل صوتًا أو مقطعًا، وقد تلتقي عدة حروف لتؤلف الصوت الواحد، ثم وضعت بعض الشعوب أبجديات خاصة تختلف في شكلها عن أبجديات الشعوب الأخرى، كما فعل اليونان والرومان والسلاف وغيرهم.