عدنان إبراهيم: السفر عبر الزمن
* يطرح موضوع الوعي سؤالاً عميقاً عن علاقته بالحواس والدماغ والبدن، وينطلق من فكرة أن الوعي قد لا يكون مجرد عملية مادية محصورة في الدماغ، بل قد تكون له طبيعة أوسع من الجسد، مع بقاء علاقة واضحة بين الوعي والمادة أثناء الحياة. وتأتي تجارب الاقتراب من الموت بوصفها من أكثر الحالات التي تُستخدم لمناقشة احتمال استمرار الإدراك أو ظهوره بصورة مختلفة عند ضعف وظائف الجسد أو توقفها.

* وُلدت فيكي نورتك عمياء بسبب ولادة مبكرة جداً وما تبعها من علاج بالأكسجين في حضانات بدائية، ما أدى إلى تلف عينيها والعصب البصري. ولم تكن تعرف الألوان ولا الصور، لا في الواقع ولا في الأحلام، لأنها لم ترَ شيئاً منذ ولادتها، وهذا جعل تجربتها اللاحقة من أكثر الروايات إثارة للنقاش في موضوع الوعي والإدراك.

* مرّت فيكي بتجربة خروج من الجسد بعد حادث، ورأت خلالها جسدها وخاتم زواجها والألوان للمرة الأولى. وتبدو هذه التجربة محيرة لأنها لا ترتبط بالرؤية عبر العينين أو العصب البصري، بل بإدراك آخر لا يخضع للوسائل الحسية المعتادة، خصوصاً أن جهازها البصري لم يكن قادراً على أداء وظيفة الرؤية أصلاً.

* يظهر الجسد في هذا التصور كأداة تستخدمها الروح أو النفس أثناء الحياة الدنيا، مثل وسيلة تنقل أو جهاز استقبال. فإذا تعطل الجسد أو ضعفت أعضاؤه، تأثرت قدرات الإنسان الظاهرة، لكن الوعي أو الروح لا يكونان بالضرورة متطابقين مع حدود الجسد أو مقيدين به بصورة مطلقة.

* يصف كثير من أصحاب تجارب الاقتراب من الموت شعوراً بالسلام والراحة بعد الخروج من الجسد، لا شعوراً فورياً بالخوف أو الفزع. وبعضهم شعر كأنه عاد إلى حالة مألوفة، وكأن العالم الآخر ليس غريباً تماماً عن الروح، بل أقرب إلى حالة تعرفها في عمقها الداخلي.

* يختلف إدراك الزمان والمكان في هذه التجارب عن الإدراك المعتاد في الحياة اليومية. فقد يصف بعض العائدين أن الزمن هناك لا يشبه الزمن الأرضي، وأن لحظة قصيرة قد تتسع لمعرفة أو خبرة كبيرة، كما قد يبدو المكان أوسع من حدود الجسد، حتى إن بعض الروايات تتحدث عن رؤية واسعة أو حضور في أكثر من موضع.

* تحدّث بعض الخابرين عن معرفة واسعة ومباشرة، كأنهم يعرفون أفكار ومشاعر من حولهم من غير كلام أو لغة. ويظهر هذا النوع من الإدراك كأنه تواصل غير لفظي لا يحتاج إلى صوت أو لسان أو كلمات، بل يتم عبر انتقال مباشر للمعنى والفكرة والشعور.

* تروي إحدى التجارب أن امرأة رأت شخصاً كانت تكرهه بشدة، ثم شعرت كأنها عاشت ظروفه وأفكاره ومشاعره من الداخل. وبعد هذه الخبرة تغير موقفها منه، إذ شعرت بالرحمة تجاهه بدلاً من الكراهية، وكأن معرفة ظروف الإنسان العميقة قد تقود إلى فهمه والرفق به بدلاً من الحكم عليه من الخارج فقط.

* تعرض شاب لحادث حافلة، ثم وصف أنه رأى جسده من الخارج ولم يشعر أن الجسد يمثل حقيقته الكاملة. كما قال إنه أدرك معاني عميقة تتعلق بمواقع الأشخاص في الحافلة وتفاصيل حياتهم، لكنه عجز عن شرح تلك المعرفة بلغة الحياة اليومية، وكأن التجربة منحتْه فهماً يتجاوز حدود التعبير المعتاد.

* توجد روايات أخرى عن أشخاص عرفوا معلومات لم تكن متاحة لهم ظاهرياً، مثل معلومات عن مرضى آخرين أو أحداث مستقبلية. ومن أبرز الأمثلة قصة الطيار العراقي فهد السعدون، الذي قال إنه عرف خلال تجربة قريبة من الموت بخبر موت عبد السلام عارف ومرافقيه قبل وقوع الحادث بيومين.

* تُقدَّم هذه التجارب بوصفها شواهد تأملية على أن الوعي قد لا يكون محصوراً في الدماغ والحواس وحدهما، بل قد يكون أوسع من الجسد المادي. ومع ذلك، يبقى هذا الموضوع مطروحاً من زاوية إيمانية وفلسفية وتأملية، لا بوصفه برهاناً علمياً نهائياً يحسم طبيعة الوعي بالكامل.
الفيديو الأصلي
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة