القبض على الجاسوس إيلي كوهين
* بقيت قصة إيلي كوهين، المعروف داخل ملفات الموساد باسم “العميل ٨٨”، واحدة من أكثر قصص الجاسوسية إثارة للجدل في الصراع العربي الإسرائيلي. ورغم شهرته الواسعة في الذاكرة الإسرائيلية والعربية، فإن كثيراً من تفاصيل حكايته ما زال محاطاً بالغموض، بين روايات تضخم دوره إلى حد الأسطورة، وأخرى تقلل من حجم إنجازه وتعيده إلى حدود العمل الاستخباري التقليدي.

* لا تمتلك عائلة كوهين نفسها رواية نهائية مكتملة عن حياته السرية، فابنته صوفي بندور تقول إنها لا تعرف إن كان قد جُنّد بإرادته الكاملة أو تحت ضغط الظروف، ولا تستطيع تمييز كل ما هو حقيقي من الأساطير التي أُضيفت لاحقاً إلى القصة. هذا الغموض العائلي يعكس طبيعة الملف نفسه، إذ ظل الموساد يحتفظ بكثير من تفاصيله طي الكتمان.

* وُلد إيلي كوهين في الإسكندرية عام ١٩٢٤ لأسرة يهودية ذات أصول حلبية، ثم هاجر إلى إسرائيل عام ١٩٥٧. وبعد سنوات قليلة، التحق بوحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”، التي رأت في خلفيته الشرقية وإتقانه العربية فرصة لاستخدامه في مهمة داخل دولة عربية.

* لم يكن كوهين في صورته الشخصية الأولى شبيهاً بالنموذج السينمائي للجاسوس المغامر، فقد وصفه بعض من عرفوه بأنه محافظ وصهيوني ومخلص وصادق، لا يتمتع بالجرأة الجسدية أو الطابع الاستعراضي الذي ظهر في الأعمال الدرامية. لكن ما امتلكه كان مهماً استخبارياً: قدرة على الاندماج، ومعرفة باللغة العربية، واستعداد للالتزام بالتدريب والتعليمات.

* صنعت الاستخبارات الإسرائيلية لكوهين هوية جديدة باسم كامل أمين ثابت، رجل أعمال سوري عاش في الخارج ويرغب في العودة إلى دمشق. لم تكن هذه الهوية عشوائية، بل بُنيت على دراسة دقيقة للشخصية والبيئة، وتضمنت تغيير لهجته من المصرية إلى السورية وتدريبه على طريقة الكلام والسلوك والعلاقات الاجتماعية المناسبة.

* اعتمدت إسرائيل في إعداد كوهين على خبرة قديمة في تشغيل يهود عرب داخل البيئات العربية قبل قيام دولة إسرائيل وبعدها. فقد كانت هناك وحدات تجمع معلومات تفصيلية عن القرى والعائلات والصراعات والملكية والعلاقات الداخلية، ما جعل بناء الهوية العربية للجاسوس جزءاً من تقليد استخباري طويل.

* أُرسل كوهين إلى الأرجنتين قبل دخوله سوريا، لأن الجالية السورية هناك كانت تمنحه فرصة لبناء غطاء اجتماعي مقنع. تعرّف على شخصيات سورية في بوينس آيرس، ومن بينها عبد اللطيف الخشن، الذي منحه رسائل توصية إلى معارف في دمشق، فكانت تلك الرسائل باباً أولياً لعبوره إلى المجتمع السوري.

* دخل كوهين سوريا في مطلع عام ١٩٦٢ عبر لبنان، مستفيداً من شبكة علاقات رتّبت له المرور والإقامة. وقد ساعده ماجد شيخ الأرض، وهو شخصية سورية ورد في الاعترافات ارتباطها بجهات استخبارية غربية، في الانتقال إلى دمشق وإدخال الأجهزة التي احتاجها للعمل السري.

* استأجر كوهين شقة في حي أبو رمانة الدمشقي، وهو من أكثر الأحياء حساسية بسبب قربه من السفارات ومؤسسات عسكرية ودبلوماسية مهمة. هذا الموقع منحه فرصة لرصد أجواء سياسية واجتماعية حساسة، لكنه جعله في الوقت نفسه داخل منطقة يفترض أن تكون محل مراقبة أمنية مستمرة.

* كانت إحدى مهمات كوهين الأولى، بحسب الروايات المرتبطة باعترافاته، البحث عن ألويس برونر، مساعد أدولف أيخمان، الذي كان مختبئاً في سوريا باسم مستعار. لكن هذه المهمة لم تحقق هدفها، لأن برونر غادر دمشق بعد فترة، فتحولت أهمية كوهين تدريجياً إلى نقل معلومات سياسية واجتماعية وعسكرية عن الداخل السوري.

* لم تكن قيمة كوهين محصورة في المعلومات العسكرية وحدها، فإسرائيل كانت تحتاج إلى فهم طبيعة الدولة السورية المضطربة بعد الوحدة مع مصر ثم الانفصال عنها. كانت تريد معرفة اتجاهات الضباط، ومزاج الشارع، ومواقف النخب، وقدرة النظام على الاستقرار أو الحرب، ولذلك كانت الشائعات والمجالس الخاصة مهمة بقدر أهمية التحركات العسكرية.

* ركّزت تعليمات الموساد لكوهين بعد عودته إلى دمشق على ثلاث نقاط رئيسية: الإبلاغ عن أي تحركات عسكرية مهما بدت صغيرة، ونقل الشائعات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وجمع معلومات عن الوضع الاقتصادي في سوريا. وقد ساعدته علاقته ببعض الشخصيات المدنية والمالية في الاقتراب من هذه الملفات.

* بنى كوهين علاقات مع شخصيات سورية متعددة، من بينها هيثم قطب العامل في المصرف المركزي السوري، وشقيقه وحيد قطب، وجورج سيف الموظف في القسم اللاتيني في إذاعة دمشق. هذه العلاقات فتحت له أبواباً إلى أحاديث خاصة وكواليس سياسية وإعلامية لم تكن متاحة لشخص عادي قادم من الخارج.

* كانت علاقته بمعزي زهر الدين من أهم علاقاته داخل دمشق، لا لأنه كان صاحب منصب كبير، بل لأنه ابن شقيقة عبد الكريم زهر الدين، قائد الجيش في مرحلة الانفصال. هذه القرابة جعلته قريباً من أجواء الضباط والحديث السياسي، وربما نقل إلى كوهين كثيراً من الأخبار التي كانت تُقال في الجلسات الخاصة.

* ظلت رواية اختراق كوهين لأعلى دوائر الحكم السوري محل جدل واسع، إذ ترى روايات إسرائيلية أن التعليمات كانت تمنعه من الاقتراب المفرط من النخبة السياسية والعسكرية حتى لا يثير الشبهات. كما أن انضمامه إلى حزب البعث أو دخوله قواعد عسكرية بقي من أكثر عناصر القصة تضخيماً في الروايات الشعبية.

* أسطورة الدور الحاسم لكوهين في سقوط الجولان عام ١٩٦٧ تُعد من أكثر الروايات مبالغة. فالمعلومات العسكرية عن المواقع السورية في الجولان لم تكن تعتمد على جاسوس واحد، بل على التصوير الجوي والتنصت وحركة المدرعات ومصادر متعددة. وقد يكون كوهين جزءاً من منظومة معلومات أوسع، لكنه لم يكن وحده صاحب الفضل في كشف الجبهة.

* كانت زيارته لبعض المناطق مثل الحمة ذات قيمة محدودة من الناحية العسكرية، لأنها منطقة سياحية معروفة وليست بالضرورة موقعاً يكشف أسرار الاستحكامات السورية العليا. لذلك تميل بعض الشهادات إلى أن دوره في ملف الجولان تعرض لاحقاً للتضخيم، خصوصاً في الذاكرة الإسرائيلية التي احتاجت إلى صناعة بطل استخباري خارق.

* أخطر ما نُسب إلى كوهين من معلومات كان مرتبطاً بخطة تحويل مياه نهر الأردن. فقد تعرّف على مهندس لبناني يدعى ميشيل صعب كان يعمل في مشروع تحويل مياه بانياس بعيداً عن بحيرة طبريا، ونقل معلومات عن الخطة ومراحلها والمضخات، ما ساعد إسرائيل لاحقاً على استهداف مواقع مرتبطة بالمشروع.

* جاءت سيطرة حزب البعث على الحكم في سوريا في مارس ١٩٦٣ في لحظة حساسة بالنسبة لعمل كوهين. فقد تغيّرت مراكز القوة داخل البلاد، وتبدلت مواقع الشخصيات التي كان يتصل بها أو يعرفها، وهو ما جعل أي علاقة قديمة أو انتماء ظاهر محفوفاً بالمخاطر في بلد يعيش انقلابات وتحولات مستمرة.

* عاد كوهين إلى إسرائيل في آخر زيارة له عام ١٩٦٤ من دون إذن واضح من مسؤوليه، لأنه أراد حضور ولادة ابنه الثالث. بدت عليه في تلك الفترة علامات توتر وإرهاق، وذكرت زوجته لاحقاً أنه كان يرغب في ترك العمل في الخارج والعودة إلى حياته العائلية، لكن رؤساءه رأوا أنه لا يمكن الاستغناء عنه.

* بعد عودته الأخيرة إلى سوريا، التقى كوهين بشخص نازي مطلوب لإسرائيل يدعى فرانس رادماخر، من دون تنسيق مسبق مع مسؤوليه. قد يكون هذا اللقاء واحداً من الأخطاء التي فتحت باب الشك حوله، لأنه جمعه بأشخاص معروفين للاستخبارات السورية أو محل متابعة، ما جعل السؤال حول هويته الحقيقية أكثر إلحاحاً.

* لم تكن نقطة ضعف كوهين في علاقاته فقط، بل في استخدامه المفرط لجهاز البث. فقد كانت التعليمات تقضي بألا يطيل إرسال رسائل المورس أكثر من دقيقتين، لكنه بدأ يرسل برقيات طويلة ومتكررة، خصوصاً في عامي ١٩٦٤ و١٩٦٥، ما جعل إشاراته قابلة للرصد والتعقب.

* التقطت أجهزة مراقبة لاسلكية تستخدمها المخابرات السورية بثاً غير مسجل لا يتبع الجداول المعروفة للسفارات والمؤسسات. تزامن ذلك مع شكاوى من السفارة الهندية في دمشق بسبب التشويش على بثها، فبدأت شعبة المخابرات وفرع الرقابة اللاسلكية محاولة تتبع الإشارة الغامضة.

* فشلت المحاولات الأولى في تحديد مصدر البث، ووصل الأمر إلى اقتحام معهد فرنسي ظناً أنه مصدر الإشارة، ما سبب حرجاً سياسياً للسلطات السورية. لكن استخدام جهاز متطور حصل عليه ضابط مجند درس في ألمانيا ساعد لاحقاً على تضييق دائرة الاشتباه وتحديد البناء الذي تخرج منه الإشارة.

* بعد تحديد البناء، استأجرت المخابرات السورية شقة فيه وبدأت اختباراً دقيقاً لمصدر البث عبر قطع الكهرباء عن الشقق تباعاً أثناء الإرسال. وبذلك تمكنت من تحديد شقة كوهين من دون أن تدرك في البداية كل تفاصيل ما يجري داخلها.

* عند اقتحام الشقة، لم يظهر الدليل فوراً، لأن جهاز الإرسال كان مخفياً بطريقة متقنة داخل طاولة أو موضع مموه. لكن سقوط جهاز احتياطي مخبأ قرب الستائر كشف الحقيقة، وانهارت عندها محاولة كوهين إخفاء نشاطه اللاسلكي.

* بقيت المخابرات السورية في شقة كوهين عدة أيام بعد اعتقاله، محاولة الإيحاء بأن شيئاً لم يحدث، وربما بغرض رصد من يتردد عليه أو تمرير معلومات مضللة إلى إسرائيل. وبعد أيام من التحقيق، اعترف كوهين بهويته الحقيقية وبأنه يهودي إسرائيلي يعيش في بات يام.

* ساعدت أسئلة بسيطة على كشف زيف هويته الإسلامية والعربية، إذ عجز عن قراءة الفاتحة رغم ادعائه أنه كان يصلي في مسجد بالأرجنتين. مثل هذه التفاصيل الصغيرة كانت كافية لتعزيز قناعة المحققين بأنه ليس سورياً ولا مسلماً، بل يهودي يعمل لحساب إسرائيل.

* تعرّضت سوريا لضغوط وتهديدات وإغراءات لمنع إعدام كوهين، لكن القيادة السورية رأت أن إطالة الملف ستزيد الضغوط وربما تمنح إسرائيل فرصة أكبر للتدخل. لذلك صدر القرار بتنفيذ الحكم سريعاً، وأُعدم كوهين في دمشق عام ١٩٦٥ بعد محاكمة عسكرية.

* ظل كوهين بعد إعدامه رمزاً كبيراً داخل إسرائيل، حيث جرى تصويره كبطل أسطوري وجاسوس خارق ساهم في إنقاذ الدولة وكشف أسرار سوريا. لكن الشهادات التي تعيد قراءة الملف من الداخل تشير إلى أن صورته تضخمت كثيراً، وأن بعض ما نُسب إليه لا يطابق حجم المعلومات الفعلية التي قدمها.

* تكشف قصة إيلي كوهين أن العمل الاستخباري لا يقوم على الأسطورة وحدها، بل على التدريب، والغطاء، والعلاقات، والأخطاء الصغيرة التي قد تكشف كل شيء. فقد نجح في بناء شبكة علاقات ونقل معلومات مهمة، لكنه سقط في النهاية بسبب الثقة الزائدة والاستخدام المفرط للبث، لا بسبب مواجهة استخبارية خارقة كما تُروى أحياناً.

* تبقى حكاية “العميل ٨٨” مفتوحة بين الرواية الإسرائيلية التي تميل إلى البطولة، والرواية السورية التي تركز على كشفه وإعدامه، وشهادات لاحقة تحاول تفكيك الأسطورة. وبين هذه الروايات كلها، يظهر إيلي كوهين كجاسوس نجح في اختراق مجتمع مضطرب، لكنه لم يكن أسطورة مطلقة، بل إنساناً يعمل داخل شبكة معقدة من الغطاء والخوف والطموح والخطأ.
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة