عمالقة الدفاع.. الدعم اللوجيستي
* تُعد مركبات الهندسة والدعم اللوجستي من الجنود المجهولين في أي قوة عسكرية، لأنها تضمن استمرار الحركة والإمداد والقدرة على الصمود. فالجيوش لا تكسب المعارك بالجنود والسلاح فقط، بل تحتاج إلى طرق مفتوحة، ووقود وذخائر وغذاء ومياه، ومركبات قادرة على سحب الآليات المتضررة وبناء الجسور وإزالة الألغام.

* تمثل اللوجستيات العمود الفقري لأي عملية عسكرية ناجحة، لأن انقطاع الإمداد عن الخطوط الأمامية يجعل أفضل الجيوش عاجزة عن القتال. وقد عبّر نابليون عن هذه الفكرة حين قال إن الجيوش تتحرك ببطونها، فالمقاتل مهما كان مدرباً ومجهزاً لا يستطيع الاستمرار من دون غذاء ووقود وذخيرة ودعم طبي.

* تعتمد الجيوش الحديثة على منظومات لوجستية متقدمة تستطيع العمل في الصحارى والثلوج والجبال والطرق المدمرة. ومع تطور العتاد العسكري، ازدادت الحاجة إلى مركبات ضخمة قادرة على حمل أطنان من الإمدادات ونقلها إلى مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.

* تُعد الشاحنة التكتيكية الثقيلة هيمت HEMTT من أشهر مركبات النقل العسكري في الجيش الأمريكي وأكثرها تنوعاً. يبلغ طولها نحو ١٠ أمتار، وارتفاعها ٣ أمتار، ووزنها نحو ١٩ طناً، وقد صُممت لنقل الإمدادات والأفراد والوقود والذخائر في البيئات الوعرة والظروف المناخية القاسية.

* أصبحت هيمت منذ ظهورها في ثمانينيات القرن العشرين أحد أعمدة الدعم اللوجستي الأمريكي، وشاركت في عمليات كبرى مثل عاصفة الصحراء والحرية العراقية والحرية الدائمة. قدرتها على العمل في الصحارى والدروب الوعرة جعلتها وسيلة أساسية للحفاظ على جاهزية القوات وتحركها في مسارح عمليات مختلفة.

* تستطيع منصة هيمت حمل نحو ١٠ أطنان، ويمكنها جر مقطورة تحمل ١٠ أطنان إضافية، ليصل إجمالي الحمولة إلى نحو ٢٠ طناً. هذه القدرة تعني نقل كميات ضخمة من الإمدادات، قد تشمل مئات آلاف الحصص الغذائية أو كميات كبيرة من الذخائر والمياه والمواد الحيوية للقوات.

* تعتمد هيمت على محرك كاتربيلر C15 بسعة ١٥ لتراً وست أسطوانات، ينتج نحو ٥٠٠ حصان وعزماً عالياً يصل إلى نحو ٢٦٠٠ نيوتن متر. هذا العزم ضروري لتحريك الأحمال الثقيلة من السكون، أو جر المقطورات، أو الخروج من الرمال والطين والثلوج عندما يزداد الاحتكاك وتضعف قوة السحب.

* يمنح نظام الدفع الثماني في هيمت قدرة كبيرة على اجتياز التضاريس الصعبة، إذ تنتقل القوة إلى العجلات الثماني كلها. فإذا فقدت عجلة أو أكثر قوة السحب، تواصل بقية العجلات دفع المركبة، ما يسمح لها بالتحرك فوق الرمال والطين والمياه الضحلة مع الحفاظ على ثباتها وحمولتها.

* تساعد الإطارات العريضة والكبيرة في هيمت على توزيع وزن المركبة على مساحة أكبر، فتقل احتمالية غرسها في الأرض اللينة. هذا التصميم يجعل الشاحنة أقرب إلى “الطفو” فوق الرمال مقارنة بالشاحنات العادية ذات الإطارات الضيقة التي تغوص سريعاً في الأسطح الرخوة.

* يوفر نظام التعليق المستقل في هيمت قدرة عالية على الحفاظ على تماس العجلات مع الأرض. فكل عجلة مزودة بماص صدمات خاص، ما يسمح للمركبة بتجاوز الصخور والعقبات من دون فقدان السيطرة، ويقلل من خطر الانزلاق أو التوقف أثناء حمل الأوزان الثقيلة.

* لا تقتصر هيمت على دور الشاحنة اللوجستية، بل يمكن تجهيزها كصهريج لنقل الوقود والمياه، أو مركبة لاستعادة الآليات المتضررة. كما خضعت خلال السنوات الماضية لتحديثات شملت المحرك ونظام النقل والدروع، خصوصاً في سلسلة A4 التي حسّنت قدرة المركبة على الصمود والعمل في بيئات قتالية أكثر خطورة.

* تمثل الألغام والعبوات الناسفة أحد أخطر العوائق في ساحات القتال، لأنها قد توقف تقدم القوات وتقطع طرق الإمداد وتسبب خسائر بشرية كبيرة. لذلك تحتاج الجيوش إلى مركبات هندسية تستطيع فتح ممرات آمنة عبر حقول الألغام من دون تعريض الجنود مباشرة للخطر.

* تُعد المركبة الهندسية M1150 ABV واحدة من أقوى مركبات اقتحام حقول الألغام. تزن نحو ٧٢ طناً، ويبلغ طولها نحو ١٢ متراً، وقد صُممت لشق مسارات آمنة عبر المناطق الملغمة والعبوات الناسفة، بحيث تستطيع القوات والمركبات المرور بعدها بأقل قدر ممكن من الخطر.

* بُنيت M1150 ABV على هيكل دبابة M1 Abrams، ما منحها صلابة عالية وقدرة على تحمل الانفجارات والعمل في الخطوط الأمامية. ورغم وزنها الهائل، يمكنها الوصول إلى سرعات كبيرة نسبياً بفضل محرك توربيني غازي بقوة ١٥٠٠ حصان، وهو المحرك نفسه المستخدم في دبابة أبرامز.

* تعتمد ABV على مزيج من الوزن والقوة والأدوات الهندسية لاختراق حقول الألغام. فهي قادرة على تفجير أو إزاحة كثير من الألغام أثناء تقدمها، ثم مواصلة الحركة بفضل دروعها وهيكلها القوي، وهو ما يجعلها أكثر أماناً وأسرع من الطرق التقليدية التي كانت تعتمد على أفراد يمسحون الأرض يدوياً.

* تحمل ABV شحنة خطية تفجيرية تعرف باسم MICLIC، وهي خط طويل من المتفجرات يمتد لنحو ١٠٠ متر ويحمل كمية كبيرة من مادة C4. يُطلق الخط بواسطة صاروخ صغير فوق المنطقة المستهدفة، ثم ينفجر ليحدث ممراً آمناً تقريباً بعرض ٨ أمتار وطول ١٠٠ متر، ما يسمح بفتح طريق سريع وسط حقل ألغام.

* يمتلك نظام التعليق في ABV قدرة عالية على تحمل التضاريس الصعبة بفضل قضبان الالتواء الفولاذية وماصات الصدمات. هذه التقنية تسمح للمركبة الثقيلة بامتصاص الصدمات والتحرك فوق الصخور والمطبات والعوائق مع الحفاظ على ثباتها وقدرتها على دفع المحراث والأدوات الأمامية.

* يوفر المحرك التوربيني الغازي في ABV قدرة كبيرة ضمن مساحة صغيرة نسبياً، كما يمنحها زخماً وعزماً فورياً يساعدانها على دفع التربة المتصلبة وإزاحة العوائق. هذه الميزة مهمة في مركبة تحتاج إلى اقتحام الأرض لا مجرد السير فوقها.

* تعتمد ABV على دروع فولاذية وكتل من الدروع التفاعلية المتفجرة التي تساعد في تشتيت أثر المقذوفات والرؤوس الحربية المضادة للدروع. كما صُممت لتحمل الانفجارات من أسفلها، لأن مهمتها الأساسية تضعها مباشرة فوق أخطر أنواع المتفجرات الأرضية.

* يعمل محراث الألغام في ABV بعرض يقارب ٤.٥ متر، ويتكون من شفرات ونتوءات تشق التربة إلى عمق يصل إلى نحو ٣٥ سنتيمتراً. هذه الشفرات تدفع الألغام وتفعلها بعيداً عن بدن المركبة، وتحولها إلى آلة معدنية ضخمة تشبه دبابة مخصصة لفتح الطرق وسط الخطر.

* تستطيع ABV أيضاً حمل شفرة جرافة لإزالة العوائق والأسلاك الشائكة والمركبات المتروكة والردم، ما يجعلها أداة هندسية متعددة المهام. وبعد تطهير الممر، تستخدم منظومة لوسم المناطق الآمنة عبر غرس أوتاد أو علامات في الأرض، حتى تعرف القوات اللاحقة أين يمكنها التحرك بأمان.

* لا تناسب ABV كل البيئات، خصوصاً المناطق العمرانية أو المواضع التي تحتاج إلى دقة عالية لا إلى قوة ساحقة. لذلك تُستخدم مركبة هاسكي Mk3 في مهام أكثر حساسية، حيث تركز على اكتشاف الألغام والعبوات الفردية أو الصغيرة من دون تدمير واسع للمحيط.

* طُورت هاسكي في جنوب أفريقيا خلال سبعينيات القرن العشرين، ثم تبنتها جيوش عدة بينها الجيش الأمريكي. يبلغ طولها نحو ٧ أمتار ووزنها نحو ٨ أطنان، وهي أصغر بكثير من ABV لكنها مخصصة لمهمة دقيقة وخطرة: الكشف عن الألغام والعبوات الناسفة قبل وصول الأرتال العسكرية إليها.

* برزت أهمية هاسكي في العراق وأفغانستان، حيث كانت العبوات الناسفة من أكبر أسباب خسائر القوات. كانت تتقدم الأرتال العسكرية وتفحص الطريق أمامها، فيجلس سائق واحد داخل المركبة لتقليل الخسائر المحتملة إذا تعرضت لانفجار.

* تمتلك هاسكي ذراعاً استقصائية يمكن تشغيلها من داخل المركبة لفحص الأجسام المشبوهة عن بعد. تعمل هذه الذراع هيدروليكياً، وتتيح للمشغل الحفر والتحريك والتفتيش بقوة ودقة من دون الخروج من المركبة، ما يقلل المخاطر التي كانت تقع سابقاً على خبراء إزالة المتفجرات.

* تستخدم هاسكي كاميرات عالية الدقة وراداراً لاختراق الأرض، يرسل موجات راديوية إلى التربة بحثاً عن أجسام معدنية أو صناعية مدفونة. وبما أن الألغام والعبوات غالباً تحتوي على زوايا وأسطح معدنية تعكس الموجات بوضوح، يصبح الرادار أداة فعالة لاكتشافها قبل انفجارها.

* يحمي هيكل هاسكي السفلي على شكل حرف V السائق من موجة الانفجار، إذ يوجه الطاقة إلى الجانبين بدلاً من امتصاصها مباشرة تحت المركبة. وتجمع المركبة بين طبقات من السيراميك والفولاذ والمواد اللينة لتشتيت المقذوفات وامتصاص الصدمات ومنع الشظايا من الوصول إلى الداخل.

* تتمتع هاسكي بتصنيف حماية مرتفع وفق معايير الناتو، ما يسمح لها بالصمود أمام انفجارات قوية نسبياً. كما يساعد ارتفاعها الكبير عن الأرض وإطاراتها القادرة على مواصلة السير بعد الثقب على تجاوز العوائق والابتعاد عن منطقة الخطر حتى لو تعرضت لأضرار.

* تؤمن مركبات مثل هاسكي سلامة طرق الإمداد الحيوية، لأنها تكشف العبوات والألغام قبل مرور الشاحنات والآليات. وبهذا لا تحمي الجنود فقط، بل تحافظ أيضاً على تدفق الوقود والذخيرة والغذاء إلى الخطوط الأمامية، وهو شرط أساسي لاستمرار أي عملية عسكرية.

* عندما تتضرر الدبابات أو تتعطل في ساحة المعركة، تدخل مركبة الإنقاذ M88A2 Hercules لاستعادتها. هذه المركبة تشبه شاحنة سحب عسكرية عملاقة، لكنها مصممة للتعامل مع دبابات ثقيلة ومدرعات متضررة في ظروف خطرة وتحت احتمال التعرض للنيران.

* تزن هيركوليز أكثر من ٦٠ طناً، ويبلغ طولها نحو ٨.٥ متر، وهي مبنية بدرع قوي وقدرة جر عالية. هذا الوزن ليس عبئاً فقط، بل يمنحها ثباتاً ضرورياً عند سحب دبابات ضخمة من الطين أو الرمال أو المناطق المتضررة، لأن المركبة الخفيفة ستنزلق بدلاً من أن تجر هدفها.

* تبرز أهمية هيركوليز في الحروب الطويلة، حيث يصعب تعويض الدبابات والمدرعات بسرعة بسبب كلفتها وتعقيد تصنيعها. استعادة المركبات المتضررة تسمح بإصلاحها وإعادتها إلى الخدمة، وتمنع العدو من الاستيلاء عليها أو دراسة تقنياتها أو استخدامها ضد أصحابها.

* تعتمد هيركوليز على رافعة ونظام ونش يعملان بالهيدروليك لتوليد قوة هائلة ضمن مساحة محدودة. يحول المحرك طاقته إلى ضغط هيدروليكي يدفع الأسطوانات والمكابس، ما يتيح رفع أحمال ثقيلة أو سحب مركبات ضخمة بدقة وقوة أكبر من الاعتماد المباشر على المحرك وحده.

* يمنح ذراع الرفع على شكل حرف A هيركوليز استقراراً إضافياً أثناء العمل في أرض غير مستوية. فالشكل المثلثي يقلل الانحناء ويزيد قدرة التحمل، ما يسمح للمركبة برفع مكونات ثقيلة مثل محركات الدبابات أو تنفيذ إصلاحات ميدانية معقدة.

* ليست هيركوليز مجرد مركبة سحب، بل منصة صيانة ميدانية متنقلة. تستطيع إصلاح المسارات، ورفع المحركات، واستبدال أجزاء كبيرة من المركبات المدرعة في الميدان، ما يقلل الحاجة إلى نقل الآليات المتضررة إلى ورش بعيدة ويعيدها إلى القتال بسرعة أكبر.

* حصلت M88A2 على تدريع أقوى من النسخ السابقة، بصفائح فولاذية أكثر سماكة تمنحها قدرة على مقاومة الأسلحة الخفيفة والشظايا وبعض تهديدات الألغام. كما يسمح لها محرك الديزل القوي بالحركة بسرعة مناسبة بالنسبة لحجمها، حتى تواكب الوحدات المدرعة وتنفذ مهام الاستعادة في الوقت المناسب.

* تحتاج الجيوش إلى عبور الأنهار والمسطحات المائية بسرعة، خصوصاً عندما يدمر العدو الجسور أثناء الانسحاب. وهنا تظهر أهمية المركبة البرمائية M3، التي تستطيع القيادة على البر والدخول إلى الماء والطفو، ثم الارتباط بمركبات أخرى لتشكيل جسر مؤقت صالح لعبور الدبابات والمركبات الثقيلة.

* يبلغ طول كل وحدة M3 نحو ١٣ متراً، ويمكن ربط عدة وحدات معاً لتكوين جسر يصل إلى ١٠٠ متر قادر على حمل أوزان تقارب ٧٠ طناً. هذه القدرة تسمح بعبور دبابات ثقيلة مثل M1A1 Abrams، وتمنح القوات مرونة كبيرة في تجاوز العوائق المائية خلال وقت قصير.

* يستطيع طاقم مكون من ٢٤ شخصاً مع أسطول من وحدات M3 بناء جسر بطول ١٠٠ متر خلال نحو ١٥ دقيقة. هذه السرعة قد تغير مسار عملية عسكرية كاملة، لأن بناء جسر تقليدي قد يستغرق أياماً أو أسابيع، بينما تحتاج القوات المتقدمة إلى حلول فورية للحركة والمناورة.

* تعتمد M3 في طفوها على مبدأ إزاحة الماء، فكلما أزاحت المركبة حجماً أكبر من الماء زادت قوة الطفو التي تحملها. لذلك صُممت عواماتها وهياكلها بحيث تزيح ما يكفي من الماء لمعادلة وزنها ووزن الحمولة التي تمر فوقها.

* استُخدم الألومنيوم في أجزاء من M3 لأنه أخف من الفولاذ وأكثر مقاومة للتآكل، ويمكن تشكيله في هياكل معقدة مثل العوامات. ورغم أنه لا يوفر مستوى التدريع نفسه الذي توفره معادن أثقل، فإنه يمنح المركبة التوازن الضروري بين الطفو والحركة على البر والقدرة على العمل في الماء.

* تشكل مركبات الهندسة واللوجستيات منظومة متكاملة لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات والأسلحة الهجومية. فهيمت تنقل الإمدادات، وABV تفتح حقول الألغام، وهاسكي تكشف العبوات بدقة، وهيركوليز تستعيد الآليات المتضررة، وM٣ تبني الجسور، ومن دون هذه الآلات يصبح تقدم الجيوش وصمودها أكثر صعوبة وكلفة.

* تكشف هذه المركبات أن القوة العسكرية الحديثة لا تعتمد على النار والسرعة فقط، بل على القدرة على التحرك والبقاء والإصلاح والإمداد. فالمعركة قد تُحسم أحياناً قبل الاشتباك، عندما تستطيع قوة ما إيصال احتياجاتها وفتح طرقها واستعادة معداتها وعبور العوائق أسرع من خصمها.
الفيديو الأصلي - الشرق
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة