سرقة ماسة قبة الألفية
* تُعد محاولة سرقة ألماسة قبة الألفية في لندن واحدة من أكثر عمليات السطو جرأة وغرابة في التاريخ الحديث. بدت الخطة كأنها مأخوذة من فيلم جريمة، إذ استهدفت عصابة منظمة مجموعة ألماس لا تقدر بثمن، مستخدمة حفارة معدلة، وزورقاً سريعاً، وقنابل دخان، وأدوات اختراق مصممة بعناية.

* كانت نجمة الألفية واحدة من أعظم الألماسات البيضاء في العالم، وبلغ وزنها نحو ١٥٥.٤ قيراطاً. تميزت بنقائها الشديد وندرتها الاستثنائية، واستغرق صقلها وتحويلها إلى شكلها النهائي سنوات من العمل المتخصص، ما جعلها قطعة مركزية في عرض شركة دي بيرز داخل قبة الألفية.

* لم تكن نجمة الألفية وحدها داخل الخزنة، بل عُرضت معها ١١ ألماسة زرقاء نادرة، فارتفعت قيمة المجموعة إلى مئات الملايين من الجنيهات. هذا الجمع بين الندرة والقيمة والشهرة جعل العرض هدفاً مغرياً لعصابات السطو المحترفة في لندن.

* جاءت قبة الألفية في غرينتش كمشروع ضخم للاحتفال ببداية الألفية الجديدة، وكانت مصممة لتقديم صورة براقة عن بريطانيا الحديثة. لكن وضع ألماسة بهذا الحجم والقيمة في منطقة قريبة من بيئات إجرامية تاريخية في جنوب شرق لندن جعلها، في نظر بعض المجرمين، تحدياً مفتوحاً أكثر من كونها عرضاً آمناً.

* استثمرت دي بيرز مبالغ كبيرة في حماية الألماس، وشملت الإجراءات سياجاً أمنياً واسعاً، ونحو ١٧٠ كاميرا مراقبة، ومصاريع فولاذية، وخزنة مصنوعة من خرسانة مقاومة للانفجار، وباباً فولاذياً بقفل زمني، وصندوقاً زجاجياً قيل إنه قادر على مقاومة أدوات الاختراق لفترة طويلة.

* رغم طبقات الحماية الكثيرة، بدأ العقل الإجرامي يرى كل طبقة بوصفها مشكلة يمكن حلها. فالمجرمون المحترفون لا ينظرون إلى النظام الأمني ككل، بل يفككونه إلى مراحل: كيف يدخلون؟ كيف يصلون إلى الخزنة؟ كيف يفتحون الزجاج؟ وكيف يخرجون قبل وصول الشرطة؟

* كان ريموند بيتسون العقل المدبر المفترض للخطة، وهو مجرم اشتهر بالقدرة على البقاء بعيداً عن الأضواء. لم يكن من النوع الذي يستعرض ثروته أو يلفت الانتباه إلى نفسه، بل عمل من الخلف، مستفيداً من خبرته في التهريب والجريمة المنظمة.

* احتاج بيتسون إلى فريق يملك مهارات مختلفة، لأن العملية لم تكن سطواً عادياً بل مشروعاً معقداً يحتاج إلى تخطيط وهندسة وتنفيذ سريع وهروب محكم. لذلك دخل في الخطة أشخاص لهم خبرة في السطو المسلح، وتعديل المركبات، وكسر المواد المقاومة، وتشتيت الانتباه.

* كان تيري ميلمان أحد أبرز المشاركين في الخطة، وهو رجل ذو سمعة قوية في عالم السطو المسلح. دخل العملية وهو يمر بمرحلة مرضية خطيرة بسبب السرطان، ما جعلها بالنسبة إليه أشبه بمحاولة أخيرة للخروج من عالم الجريمة بضربة كبرى تترك اسمه في الذاكرة.

* مثّل لي وينهام الجانب الهندسي في العصابة، إذ كان تاجراً في الخردة ومختصاً في تعديل المركبات والأدوات المستخدمة في السطو. وفر مزرعة بعيدة عن الأنظار لتجهيز المعدات واختبارها، وكانت تلك المزرعة مركز التخطيط والتدريب.

* كان دور ويليام كوكرام محورياً في التعامل مع الصندوق الزجاجي المحيط بالألماس. بصفته عاملاً في مجال البناء ومجرماً ذا خبرة، اختبر أنواعاً مختلفة من الزجاج المقاوم، وحاول اكتشاف طريقة تفتح العلبة بسرعة قبل أن تتدخل قوات الأمن.

* توصل كوكرام إلى أن إطلاق مسامير قوية من مسدس مسامير على الزجاج من مسافة قريبة، ثم ضربه فوراً بمطرقة ثقيلة، قد يؤدي إلى اختراقه. كانت هذه الطريقة تعتمد على إحداث ضعف موضعي وسريع في الزجاج، خلافاً لما توقعت الشركة المصنعة التي ظنت أن الصندوق سيصمد أمام الأدوات التقليدية.

* اتخذت العصابة من أعمال البناء المنتشرة في محيط القبة غطاءً مثالياً. فجنوب لندن في ذلك الوقت كان مليئاً بالحفارات والعمال والسترات العاكسة، ما جعل فكرة دخول حفارة إلى المنطقة تبدو طبيعية وغير مثيرة للريبة للوهلة الأولى.

* عُدلت الحفارة لتصبح أسرع وأكثر ملاءمة للهجوم، وأزيلت منها أجزاء غير ضرورية لتتسع لعدد من أفراد العصابة. تحولت الآلة من معدة بناء عادية إلى وسيلة اقتحام مدرعة تستخدم لاختراق السياج والمصاريع والوصول مباشرة إلى منطقة عرض الألماس.

* لم تكتمل الخطة من دون هروب سريع، وكانت القبة تقع على شبه جزيرة يحيط بها نهر التيمز من جهات عدة. لذلك اختارت العصابة زورقاً سريعاً للهروب عبر النهر، مستفيدة من المد العالي لتقليل مخاطر حركة المرور والطرق البرية المزدحمة.

* لاحظت الشرطة أن أفراد العصابة كانوا يزورون محيط القبة في أوقات مرتبطة بالمد العالي، فبدأت تربط بين تحركاتهم واحتمال الهروب بالقارب. كان ظهور الزورق السريع نقطة تحول في التحقيق، لأنه كشف أن الخطة لا تعتمد على الطريق البري فقط.

* بدأت فرقة الطيران في شرطة العاصمة مراقبة العصابة بعد معلومات ربطت بعض أفرادها بمزرعة تونغ. وخلال أشهر من المراقبة، رصدت الشرطة شراء التذاكر، واستطلاع المكان، وتعديل الحفارة، وتحرك الزورق، حتى بدأت تتضح ملامح عملية سطو كبيرة تستهدف قبة الألفية.

* لم تكن الشرطة تعرف موعد التنفيذ بدقة، لكنها عرفت الهدف والموقع وأعضاء العصابة وطريقة الهروب المحتملة. لذلك قررت أن تتحرك عندما يتحرك القارب، لأن ذلك سيكون المؤشر الأقوى على أن يوم العملية قد بدأ.

* في صباح التنفيذ، تجمعت العصابة في مستودع فحم على بعد نحو ١٠ كيلومترات من القبة، ومعها مسدسات المسامير والمطارق وأقنعة الغاز والقنابل الدخانية. كان الوقت حاسماً، فالخطة اعتمدت على تنفيذ الاقتحام والحصول على الألماس خلال دقائق قليلة قبل أن تتعطل العملية.

* قاد بيتسون الحفارة باتجاه القبة، بينما اختبأ أفراد العصابة داخلها. بدت الحفارة للعين العادية كمعدة عمل عادية في منطقة بناء، لكنها في الحقيقة كانت حصان طروادة معدلاً لاقتحام واحد من أكثر عروض الألماس قيمة في العالم.

* اخترقت الحفارة السياج والمصاريع الفولاذية بسرعة، ودخلت إلى القبة كآلة حرب. خلال نحو دقيقة واحدة وصلت إلى داخل المكان، ما أظهر أن جزءاً كبيراً من التخطيط كان ناجحاً من ناحية السرعة والجرأة والقدرة على تجاوز الحواجز الخارجية.

* دخل أفراد العصابة إلى منطقة الخزنة بهدوء نسبي، وبدأ كوكرام في إطلاق المسامير على الزجاج ثم ضربه بالمطرقة. خلال ثوانٍ قليلة نجح في إحداث ثقب في الصندوق الزجاجي، رغم أن الشركة المصنعة كانت تعتقد أن اختراقه بهذه السرعة شبه مستحيل.

* ظنت العصابة أنها على بعد لحظات من الحصول على ألماسة قيمتها مئات الملايين، لكن ما لم تكن تعرفه أن المكان كان فخاً محكماً. فقد كانت الشرطة قد استبدلت الألماسات الحقيقية بنسخ مقلدة قبل أشهر، ونشرت ضباطاً مسلحين متنكرين في هيئة زوار ومرشدين وموظفين داخل القبة.

* في اللحظة التي بدأ فيها أفراد العصابة تنفيذ الاختراق، تحركت فرق الشرطة من خلف الجدران والأبواب الوهمية. استخدمت القوات القنابل الصوتية والتكتيكات المفاجئة، واعتقلت أفراد العصابة وهم متلبسون داخل المكان.

* كان نجاح الشرطة يعتمد على ضبط التوقيت بدقة، لأنها أرادت القبض على العصابة أثناء تنفيذ الجريمة لا قبلها. هذا منح التحقيق قوة قانونية كبيرة، وأثبت أن الخطة لم تكن مجرد نية أو استطلاع، بل محاولة سطو فعلية على هدف محدد.

* لو نجحت العملية، لكانت من أكبر سرقات الألماس في التاريخ. فقد جمعت بين هدف نادر، وقيمة هائلة، وخطة اقتحام علنية، وهروب عبر النهر، وفريق محترف، وأسلوب يشبه أفلام الجريمة الكبرى.

* اعترف بعض المحققين بأن العصابة كانت شديدة الاحتراف والتنظيم، وأن كثيراً من تفاصيل الخطة نُفذ بدقة لافتة. فقد اختارت الوقت المناسب لفتح القفل الزمني، واستغلت البيئة العمرانية، وجهزت الحفارة، وخططت للهروب بالقارب، ووجدت طريقة لاختراق الزجاج خلال ثوانٍ.

* مع ذلك، تفوقت الشرطة في النهاية لأنها كانت تراقب وتنتظر وتفكر مثل المجرمين. لم تمنع محاولة السطو مبكراً، بل سمحت للعصابة بالاقتراب بما يكفي حتى تنكشف الخطة كاملة ويتم القبض على المشاركين في اللحظة الحاسمة.

* حُكم على ريموند بيتسون وويليام كوكرام بالسجن ١٨ عاماً، ثم خُفض الحكم إلى ١٥ عاماً بعد الاستئناف. كما صدرت أحكام على مشاركين آخرين، بينما لم يمثل تيري ميلمان أمام العدالة لأنه توفي بالسرطان أثناء انتظار المحاكمة.

* كشفت نهاية العملية مفارقة قاسية للعصابة، فالقطع التي حاولوا سرقتها لم تكن الألماسات الحقيقية، بل نسخاً مقلدة من الكريستال. وهكذا تحولت محاولة سرقة بمئات الملايين إلى جريمة فاشلة استهدفت حجارة مزيفة تحت رقابة الشرطة.

* بقيت محاولة سرقة قبة الألفية مثالاً على الصراع بين التخطيط الإجرامي واليقظة الأمنية. فقد أظهرت أن حتى أعقد الخطط قد تنهار إذا كان الخصم يعرف الهدف ويتابع الخطوات، وأن الجرأة وحدها لا تكفي عندما تكون اللعبة كلها تحت المراقبة.

* تجمع هذه القصة بين الطموح الإجرامي، والهندسة، والخداع، والمراقبة، والغرور. أرادت العصابة أن تدخل التاريخ بأعظم سرقة ألماس، لكنها دخلته كواحدة من أكثر محاولات السطو فشلاً وإثارة، بعدما كانت الشرطة تنتظرها خلف الزجاج الذي ظنت أنه العقبة الأخيرة.
الفيديو الأصلي - الشرق
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة