* تحوّلت البيانات إلى مورد استراتيجي يشبه النفط أو اليورانيوم في قيمته الخام، إذ أصبحت الدول والشركات تسعى إلى جمعها وتحليلها واستخدامها في بناء نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي. ولم تعد الحرب الرقمية مقتصرة على اختراقات إلكترونية محدودة، بل أصبحت تشمل السيطرة على البنية التحتية التي تمر عبرها البيانات وتُخزَّن وتُعالَج، مثل الكوابل البحرية والرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات وتقنيات الاتصال اللاسلكي.
* تمثل الكوابل البحرية العمود الفقري للاتصالات العالمية، لأنها تنقل الغالبية الساحقة من حركة البيانات بين القارات. ولا تمر عبرها الرسائل الشخصية ومقاطع الفيديو والمعاملات المصرفية فقط، بل تمر أيضاً بيانات حكومية ودبلوماسية وعسكرية حساسة، لذلك أصبحت هدفاً بالغ الأهمية في أي صراع بين الدول.
* حرب البيانات ليست ظاهرة جديدة تماماً، بل تعود جذورها إلى عصر التلغراف والكوابل البحرية الأولى. ففي الحرب العالمية الأولى مثلاً، قطعت بريطانيا الكوابل الألمانية وأجبرت ألمانيا على استخدام وسائل اتصال يمكن التنصت عليها، وكان كشف برقية زمرمان من العوامل التي ساهمت في دخول الولايات المتحدة الحرب وتغيير مسارها.
* الفارق الأساسي بين الماضي والحاضر يكمن في السرعة والحجم. فبينما كانت الدول قديماً تتنصت على برقيات محدودة، أصبح العالم اليوم ينتج وينقل كميات هائلة من البيانات في كل ثانية، وأصبح تحليل هذه البيانات ممكناً بفضل قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي، ما غيّر طبيعة التجسس والحرب المعلوماتية بالكامل.
* لم تعد ملكية الكوابل البحرية حكراً على الحكومات أو شركات الاتصالات الوطنية، بل أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل أمازون وغوغل وميتا ومايكروسوفت من أكبر المستثمرين فيها. وهذا التحول يمنح الشركات الخاصة دوراً واسعاً في تحديد مسارات البيانات العالمية والتحكم بجزء كبير من البنية التي يقوم عليها الإنترنت.
* شهدت الحرب الباردة عمليات تنصت معقدة على الكوابل البحرية، من بينها عملية أمريكية استهدفت كابلاً سوفيتياً في بحر أوخوتسك، حيث جرى تركيب أجهزة استشعار لنسخ البيانات المتدفقة. وفي عام ٢٠١٣ كشفت تسريبات إدوارد سنودن عن برامج واسعة للتنصت على كوابل الألياف الضوئية واستغلال البيانات والبيانات الوصفية في العمل الاستخباراتي.
* قد تكون البيانات الوصفية خطيرة حتى عندما يكون محتوى الرسائل مشفراً. فمعرفة من يتحدث مع من، ومتى، ومن أي مكان، قد تكفي لاستخلاص استنتاجات سياسية أو أمنية مهمة. ولهذا فإن السيطرة على تدفق البيانات لا تعني دائماً قراءة الرسائل نفسها، بل قد تعني تحليل العلاقات والأنماط والحركة الرقمية للأفراد والمؤسسات.
* يدور صراع أمريكي صيني واسع حول الكوابل البحرية، حيث تخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من مشاركة شركات صينية في بناء هذه الكوابل أو صيانتها، بسبب احتمال استغلالها للتجسس أو زرع ثغرات. وترتبط هذه المخاوف أيضاً بسوابق تاريخية مارست فيها الولايات المتحدة نفسها عمليات تنصت مشابهة.
* تحدث معظم انقطاعات الكوابل البحرية بسبب عوامل عرضية مثل مراسي السفن أو أنشطة الصيد، لكن بعض المناطق أصبحت مرتبطة باتهامات سياسية وأمنية، مثل مضيق تايوان وبحر البلطيق والبحر الأحمر. وتندرج بعض هذه الانقطاعات ضمن صراع رمادي لا يصل دائماً إلى الحرب المباشرة، لكنه يؤثر في قطاعات حيوية.
* تمثل أشباه الموصلات السلاح الثاني في حرب الشفرة، لأنها تدخل في كل شيء تقريباً: الهواتف والحواسيب والسيارات والأجهزة المنزلية، وكذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ والأنظمة العسكرية المتقدمة. وكما لا يمكن بناء سلاح نووي دون يورانيوم، لا يمكن بناء أسلحة حديثة أو أنظمة رقمية متقدمة دون رقائق.
* تحتل تايوان موقعاً محورياً في صناعة الرقائق المتقدمة، ولا سيما من خلال شركة TSMC، التي تنتج نسبة كبيرة جداً من أشباه الموصلات الأكثر تطوراً في العالم. وهذا جعل الجزيرة مركزاً لتوتر جيوسياسي شديد، لأن السيطرة على هذه الصناعة قد تمنح أي قوة نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي والتفوق العسكري والتكنولوجي.
* يقوم مفهوم “درع السيليكون” على أن أهمية تايوان في صناعة الرقائق تجعل الدول الكبرى بحاجة إلى استقرارها، بل تجعل الصين نفسها حذرة من أي خطوة قد تدمّر هذه الصناعة التي تعتمد عليها أيضاً. وبذلك تصبح الرقائق ليس فقط مورداً اقتصادياً، بل عامل ردع سياسي واستراتيجي.
* اشتدت حرب الرقائق بين الولايات المتحدة والصين بعد القيود الأمريكية الصارمة على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها إلى الصين. وتستهدف هذه القيود إبقاء الولايات المتحدة متقدمة بجيل تكنولوجي على الصين، ليس في الاقتصاد فقط، بل في ساحة المعركة أيضاً.
* تمثل مراكز البيانات والسحب السلاح الثالث في حرب الشفرة، لأنها المكان الذي تُخزَّن فيه البيانات الضخمة للأفراد والشركات والدول. وكلما انتقلت بيانات الناس من أجهزتهم الخاصة إلى خوادم الشركات، زادت قدرة هذه الشركات على تحليلها واستخدامها وفهم السلوكيات والميول والاهتمامات وحتى التوجهات السياسية والاجتماعية.
* البيانات الخام وحدها لا تكفي ما لم توجد أدوات قادرة على استخراج المعنى منها. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذي يحوّل مراكز البيانات من مستودعات ضخمة إلى أنظمة قادرة على تحليل العالم والتنبؤ بالسلوك وتوجيه القرارات، سواء في الأسواق أو في الاستخبارات أو في العمليات العسكرية.
* تعتمد الحروب الحديثة على الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات ضخمة من الصور والمكالمات والرسائل وحركة الأشخاص لتحديد الأهداف وتصنيف الأفراد. وقد أثار هذا الاستخدام جدلاً أخلاقياً واسعاً، لأن قرارات الحياة والموت قد تُبنى على بيانات ناقصة أو منحازة أو غير دقيقة.
* أصبحت تقنيات الجيل الخامس 5G جزءاً أساسياً من الصراع الرقمي، لأنها تسمح بنقل البيانات بسرعة عالية وزمن استجابة منخفض جداً. ولا تقتصر أهمية هذه التقنية على الهواتف، بل تدخل في تشغيل السيارات ذاتية القيادة والمصانع الذكية والبنية التحتية الحيوية والأنظمة العسكرية، لذلك تحولت إلى مجال تنافس بين القوى الكبرى.
* حققت شركة هواوي الصينية تقدماً كبيراً في تقنيات الجيل الخامس، ما دفع الولايات المتحدة إلى محاصرتها واتهامها بأنها قد تمكّن الصين من التجسس أو تعطيل الاتصالات الحساسة. وفي المقابل، يرى آخرون أن استهداف هواوي جزء من صراع أوسع للهيمنة على البنية التحتية الرقمية عالمياً.
* لا يدور الصراع بين الولايات المتحدة والصين حول الأجهزة أو الشركات فقط، بل حول النفوذ في الدول الأخرى أيضاً. فالصين تنشر بنيتها التحتية الرقمية ضمن مبادرات عالمية، بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها بناء شبكات بديلة ومنع استخدام تقنيات صينية في الدول الحليفة، ما يجعل الإنترنت نفسه مقسماً وفق تحالفات ومصالح جيوسياسية.
* حروب الجيل الخامس لا تعتمد بالضرورة على الدبابات والقنابل، بل على البيانات والقرصنة والتلاعب بالإدراك العام والحملات النفسية وتعطيل البنى التحتية. وفي هذا النوع من الحروب يمكن ضرب دولة أو مجتمع من دون إطلاق رصاصة، عبر اختراق شبكات الكهرباء أو الاتصالات أو التأثير في عقول الناس وسلوكهم.
* أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مركزية في حروب الجيل الخامس، لأنها تسمح بجمع بيانات هائلة عن المستخدمين، ثم استخدامها في التأثير على آرائهم وتوجهاتهم. ولهذا تثير منصات مثل فيسبوك وتيك توك جدلاً واسعاً حول جمع البيانات وتوجيه الرأي العام واستغلال المعلومات سياسياً.
* لا يقتصر الخطر على الفضاء الرقمي المجرد، بل قد يصل إلى سلاسل توريد الأجهزة نفسها. فقد ظهرت أمثلة عن اعتراض شحنات أجهزة وزرع برمجيات أو أدوات تجسس فيها، كما شكل انفجار أجهزة البيجر والووكي توكي في لبنان عام ٢٠٢٤ نموذجاً خطيراً على تحول الأجهزة اليومية إلى أدوات في صراع أمني وتكنولوجي.
* دخل العالم سباق تسلح رقمي واسع، لا يعتمد فقط على امتلاك السلاح التقليدي، بل على امتلاك البيانات والبنية التي تنقلها والرقائق التي تعالجها والخوادم التي تخزنها والشبكات التي توزعها. وفي هذا المشهد تصبح المعلومة نفسها سلاحاً، وتصبح السيطرة على تدفقها وتحليلها عاملاً حاسماً في رسم موازين القوة بين الدول والشركات والمجتمعات.