أين اختفت المادة المضادة؟
* تُعد المادة المضادة واحدة من أكثر ألغاز الكون غموضاً، لأنها تشبه المادة العادية في كثير من الخصائص، لكنها تحمل شحنات معاكسة. وعندما يلتقي جسيم من المادة المضادة بنظيره من المادة، يفني كل منهما الآخر، ولا يبقى مكانهما إلا طاقة خالصة.

* بدأ لغز المادة المضادة يأخذ شكله العلمي عام ١٩٢٨، حين تنبأت معادلات فيزيائية بوجود جسيمات مقابلة للمادة العادية. في البداية بدت الفكرة غريبة وصعبة التصديق، لكن بعد سنوات قليلة جاء الدليل التجريبي الذي نقل المادة المضادة من عالم المعادلات إلى الواقع.

* في ٢ أغسطس ١٩٣٢ التقط الفيزيائي الأمريكي كارل أندرسون صورة كشفت وجود البوزيترون، وهو النظير المضاد للإلكترون. ظهر الجسيم في مسار معاكس لما كان متوقعاً للإلكترون العادي، ما دل على أنه يحمل شحنة موجبة رغم أن كتلته تشبه كتلة الإلكترون.

* مثّلت صورة أندرسون لحظة فاصلة في فيزياء الجسيمات، لأنها أثبتت أن المادة المضادة ليست خيالاً رياضياً، بل مكون حقيقي في الطبيعة. ومنذ ذلك الاكتشاف، بدأ العلماء يدركون أن لكل جسيم تقريباً نظيراً مضاداً، وأن الكون أكثر غرابة مما كان يبدو.

* تكمن المشكلة الكبرى في أن المادة المضادة لا تعيش طويلاً في عالمنا المكون من المادة. فهي تختفي فور ملامستها للمادة العادية، ولذلك يصعب تخزينها ودراستها، ولا تظهر إلا في لحظات قصيرة داخل التجارب أو في الأشعة الكونية أو في عمليات فيزيائية عالية الطاقة.

* تكشف المادة المضادة عن سؤال كوني عميق: لماذا يوجد الكون أصلاً؟ فبحسب الفهم الفيزيائي، كان ينبغي أن ينتج الانفجار العظيم كميات متساوية من المادة والمادة المضادة، وأن يفني كل طرف الآخر، تاركاً الكون خالياً تقريباً من النجوم والكواكب والحياة.

* وجودنا يعني أن شيئاً ما حدث في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، وجعل المادة تتفوق على المادة المضادة بفارق ضئيل جداً. لم يكن هذا الفارق بحاجة إلى أن يكون كبيراً، فمجرد زيادة صغيرة في عدد جسيمات المادة كانت كافية لاحقاً لتكوين كل المجرات والنجوم والكواكب والكائنات الحية.

* لا يحاول العلماء فهم المادة المضادة بوصفها ظاهرة منفصلة فقط، بل بوصفها مفتاحاً لفهم أصل الكون. فإذا عرفوا لماذا بقيت المادة واختفت معظم المادة المضادة، فسيقتربون من الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة العلمية: لماذا نحن موجودون؟

* في منشأة سيرن الأوروبية، يحاول العلماء إنتاج المادة المضادة واحتجازها لدراستها. هذا العمل بالغ الصعوبة، لأن أي ذرة مضادة تلامس جدار جهاز مصنوع من المادة العادية ستفنى فوراً، لذلك تحتاج إلى مصائد مغناطيسية وتقنيات عالية تمنعها من الاصطدام بأي مادة.

* ينتج الباحثون في سيرن أبسط ذرات المادة المضادة، وهي ذرات الهيدروجين المضاد. تتكون هذه الذرة من بروتون مضاد وإلكترون مضاد، وهي النظير المعاكس لذرة الهيدروجين العادية التي تعد أبسط ذرات المادة.

* تبدأ عملية تصنيع الهيدروجين المضاد بإنتاج بروتونات مضادة تتحرك بسرعات هائلة، ثم يجري إبطاؤها داخل أجهزة خاصة حتى تصبح قابلة للاحتجاز والتفاعل. بعد ذلك تضاف إليها إلكترونات مضادة، وعندما يلتقي المكونان تتشكل ذرات الهيدروجين المضاد في أجزاء ضئيلة جداً من الثانية.

* إنتاج المادة المضادة مكلف ونادر للغاية، فقد تصل كلفة كميات صغيرة جداً منها إلى مبالغ هائلة. ومع ذلك فإن القيمة العلمية لهذه الذرات لا تقاس بوزنها، بل بما يمكن أن تكشفه عن قوانين الطبيعة وعن التوازن المفقود بين المادة والمادة المضادة.

* يأمل العلماء في دراسة الهيدروجين المضاد ومقارنته بالهيدروجين العادي لمعرفة ما إذا كانت هناك فروق دقيقة بينهما. فإذا ظهرت اختلافات ولو صغيرة، فقد تساعد في تفسير سبب بقاء المادة العادية وسيطرتها على الكون.

* لا يقتصر البحث عن المادة المضادة على المختبرات الأرضية، بل يمتد إلى الفضاء. فبعض العلماء يعتقدون أن المادة المضادة التي نشأت مع الكون ربما لم تختفِ كلها، بل قد تكون موجودة في مناطق بعيدة جداً على شكل ذرات أو نجوم أو حتى تراكيب كونية كاملة.

* لهذا الغرض صُمم مطياف ألفا المغناطيسي، وهو جهاز ضخم وُضع على محطة الفضاء الدولية عام ٢٠١١ للبحث عن جسيمات المادة المضادة في الأشعة الكونية. يمر عبره عدد هائل من الجسيمات القادمة من الفضاء، ويحدد مسارها وشحنتها ليعرف ما إذا كانت مادة عادية أو مادة مضادة.

* يبحث مطياف ألفا المغناطيسي عن إشارات نادرة جداً، مثل الهيليوم المضاد. فإذا ثبت وجود ذرات هيليوم مضاد في الفضاء، فقد يعني ذلك أن هناك مصادر كبيرة للمادة المضادة، لأن مثل هذه الذرات المعقدة لا يُتوقع أن تتكون بسهولة من التصادمات العادية للأشعة الكونية.

* أثارت إشارات محتملة لهيليوم مضاد اهتمام العلماء، لكنها تحتاج إلى تأكيد أقوى ومزيد من البيانات. فالاحتمال العلمي بالغ الأهمية، لأنه قد يفتح الباب أمام فكرة وجود نجوم أو مناطق بعيدة مصنوعة من المادة المضادة، وهي فكرة ستغير تصورنا لتوزيع المادة في الكون.

* يركز مسار آخر من البحث على الكواركات، وهي جسيمات أولية تدخل في تكوين البروتونات والنيوترونات. يعتقد بعض العلماء أن اختلافاً بسيطاً بين سلوك الكواركات وكواركات المادة المضادة ربما ساهم في كسر التوازن المبكر بين المادة والمادة المضادة.

* في مصادم الهادرونات الكبير تحت الأرض، يعاد خلق ظروف تشبه لحظات الكون الأولى عبر تصادمات عالية الطاقة بين البروتونات. تنتج هذه التصادمات فيضاً من الجسيمات والجسيمات المضادة، ويبحث العلماء في آثارها عن فروق دقيقة بين المادة ونظيرتها المضادة.

* كشفت التجارب أن الكواركات والكواركات المضادة ليست متماثلة تماماً في سلوكها، وهذا اكتشاف مهم. لكن الفروق المرصودة حتى الآن صغيرة جداً، ولا تكفي وحدها لتفسير الاختلال الهائل الذي جعل كوننا اليوم مكوناً في معظمه من المادة لا من المادة المضادة.

* يشير عجز الكواركات عن تفسير اللغز كاملاً إلى أن هناك قطعة مفقودة من الأحجية. لذلك يواصل العلماء البحث في جسيمات أخرى وظواهر أعمق، لأن جواب هيمنة المادة قد لا يكون كامناً في مكان واحد، بل في مجموعة من الفروق الدقيقة داخل قوانين الفيزياء.

* اتجهت أنظار بعض الفيزيائيين إلى النيوترينوات، وهي جسيمات أولية شديدة الخفاء لا تحمل شحنة كهربائية وكتلتها ضئيلة جداً. تمر النيوترينوات عبر المادة بسهولة هائلة، حتى إن عدداً كبيراً منها يخترق أجسامنا كل لحظة من دون أن نشعر بها.

* تنشأ النيوترينوات في الشمس والنجوم المتفجرة والتحلل الإشعاعي داخل الأرض، لكنها نادراً ما تتفاعل مع المادة. لذلك يحتاج العلماء إلى كواشف ضخمة تحت الأرض، مملوءة بمياه فائقة النقاء ومزودة بآلاف الحساسات، لالتقاط ومضات الضوء الضعيفة الناتجة عن تفاعل نادر.

* تمتلك النيوترينوات خاصية غريبة تعرف بتذبذب النيوترينو، إذ يمكن للجسيم أن يغير نوعه أو “صنفه” أثناء انتقاله في الفضاء. يبدأ النيوترينو بصنف معين، ثم يتنقل بين أصناف مختلفة قبل أن يتفاعل في النهاية، إذا حدث التفاعل أصلاً.

* يعتقد بعض العلماء أن تذبذب النيوترينوات قد يختلف عن تذبذب النيوترينوات المضادة. وإذا ثبت هذا الاختلاف بوضوح، فقد يكون من أكبر الفروق بين المادة والمادة المضادة، وربما يفسر جزءاً مهماً من اختلال التوازن في بداية الكون.

* أظهرت تجارب مثل T2K في اليابان مؤشرات على أن النيوترينوات والنيوترينوات المضادة قد لا تتذبذب بالطريقة نفسها. ورغم أن النتائج لا تزال تحتاج إلى مزيد من التأكيد، فإنها تعد من أكثر الأدلة إثارة على احتمال أن تكون النيوترينوات مفتاح اللغز الكوني.

* تذهب فرضية أعمق إلى أن النيوترينو قد يكون جسيمه المضاد نفسه. إذا صح ذلك، فقد يستطيع النيوترينو أن يفني نفسه بطريقة خاصة، وهو ما قد يخلق آلية طبيعية تفسر كيف زادت المادة على المادة المضادة في بداية عمر الكون.

* يبحث العلماء عن دليل على هذه الفرضية من خلال ظاهرة نادرة جداً تسمى اضمحلال بيتا المزدوج عديم النيوترينوات. إذا رُصدت هذه العملية، فسيكون ذلك دليلاً قوياً على أن النيوترينو هو جسيم مضاد لنفسه، وقد يغير ذلك بنية الفيزياء الحديثة.

* تستخدم تجارب مثل CUORE بلورات من ثاني أكسيد التيلوريوم مبردة إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، أملاً في رصد ارتفاع حراري ضئيل جداً يدل على حدوث هذه العملية النادرة. هذه التجارب تحتاج إلى صبر طويل، لأن الظاهرة المطلوبة أندر بكثير من معظم ما درسه الفيزيائيون حتى الآن.

* لا يقتصر البحث عن المادة المضادة على التجارب، فهناك أيضاً محاولات نظرية جريئة تعتمد على الرياضيات. يرى بعض الفيزيائيين أن حل اللغز قد لا يتطلب جسيمات جديدة، بل فهماً مختلفاً للانفجار العظيم والزمن والكون نفسه.

* تقترح إحدى النظريات وجود كون مضاد على الجانب الآخر من الانفجار العظيم، مصنوع من المادة المضادة ويتحرك الزمن فيه بعكس اتجاه زمننا. ووفق هذه الفكرة، يكون كوننا والكون المضاد وجهين متقابلين لحقيقة واحدة، نشآ من الأصل نفسه لكن في اتجاهين زمنيين مختلفين.

* في هذا التصور، لا تكون المادة المضادة قد اختفت من كوننا فقط، بل تكون موجودة في كون آخر معكوس. قد يضم ذلك الكون نجوماً ومجرات وكواكب تشبه ما نعرفه، لكنه مكوّن من المادة المضادة ويسير زمنه من منظورنا إلى الخلف.

* تبقى فكرة الكون المضاد نظرية رياضية جريئة تحتاج إلى أدلة رصدية كي تصبح جزءاً من العلم المقبول. لكنها تكشف مدى عمق لغز المادة المضادة، وكيف يمكن أن يدفع العلماء إلى إعادة التفكير في أصل الكون والزمن والتماثل بين المادة ونقيضها.

* منذ أول صورة للبوزيترون عام ١٩٣٢ وحتى تجارب سيرن والمصادمات والكواشف الفضائية والنيوترينوات، لم يتوقف البحث عن جواب واحد: لماذا لم يفنِ الكون نفسه في بدايته؟ كل تجربة تضيف جزءاً من الصورة، لكنها تكشف أيضاً أن اللغز أعمق مما بدا في البداية.

* حل لغز المادة المضادة لن يكون اكتشافاً تقنياً فقط، بل تحولاً في فهم الوجود نفسه. فإذا عرف العلماء كيف نجت المادة من الفناء الشامل، فسيفهمون كيف نشأت النجوم والكواكب والحياة، وكيف صار الكون الذي نراه ممكناً بدلاً من أن يكون فراغاً من الطاقة الخالصة.

* تظل المادة المضادة لغزاً يجمع بين الفيزياء التجريبية والنظرية والفضاء وأعماق الأرض. وكلما اقترب العلماء من الإجابة، ظهرت أسئلة جديدة، لكن هذا البحث الطويل قد يقود يوماً إلى تفسير أحد أكثر الحقائق بداهة وغموضاً في آن واحد: أن شيئاً ما موجود بدلاً من لا شيء.
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة