هيلين توماس صحافية أمريكية من أصل لبناني، عرفت بأسئلتها المحرجة والمباشرة ولقبت بالسيدة الأولى للصحافة. قضت ما يقارب ٦ عقود مراسلة في البيت الأبيض، وغطت أنشطة ١٠ رؤساء أمريكيين بين عامي ١٩٥٣ و٢٠١٠. وفي زمن كانت فيه الصحافة السياسية شبه مغلقة أمام النساء، لم تدخل هيلين بوصفها رمزاً شكلياً، بل كقوة مهنية فرضت حضورها بجرأة.
غطت هيلين توماس رحلة ريتشارد نيكسون إلى الصين عام ١٩٧٢، وكانت الصحافية الوحيدة بين ٨٧ صحفياً في تلك الرحلة. وأصبحت أول امرأة تنتخب رئيسة لجمعية مراسلي البيت الأبيض، وأول عضوة في نادي غريديرون للصحفيين في واشنطن، ثم رئيسته لاحقاً عام ١٩٩٣. لم تكن قيمتها الحقيقية في كونها الأولى فقط، بل في الأسلوب الذي رسخته، بأسئلة مباشرة تجبر الرئيس على الإجابة لا على الاختباء خلف الغموض.
كانت هيلين منضبطة ومهنية ومتمسكة بالشفافية حتى النهاية. أما عبارتها الشهيرة: شكراً سيدي الرئيس، فلم تكن مجرد خاتمة، بل إشارة إلى لحظة مساءلة حقيقية. وصفها بيل كلينتون بالاستثنائية، واعترف باراك أوباما بأنها رائدة حقيقية. لكن مسيرتها لم تخل من الجدل، ففي عام ٢٠١٠ أدلت بتصريحات حول إسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية أثارت انتقادات واسعة، فاستقالت من وكالة هيرست وفقدت مقعدها الدائم في البيت الأبيض.
لم تكن تلك اللحظة عابرة، بل نقطة تحول كشفت أن الشجاعة المهنية لا تعصم من الخطأ، وأن الإرث لا يختزل في صورة مثالية. ومع ذلك بقيت هيلين توماس توصف بالسيدة الأولى للصحافة، ليس لأنها الأقدم فقط، بل لأنها رفعت معياراً صعباً للمراسل الحقيقي، الذي لا يكتفي بالحضور، بل يقتحم الصمت، ويكسر المجاملة، ويسأل حين يتردد الآخرون. وعندما رحلت في ٢٠ يوليو ٢٠١٣ عن عمر ناهز ٩٢ عاماً، لم تودع كمراسلة عادية، بل كمدرسة كاملة في الصحافة السياسية.