إنها لحياة رائعة عجيبة تلك التي عاشتها ماري كوري، المرأة الضئيلة الجسم الضعيفة البنية.. حياة كلها كفاح وجهاد، انتهت بها إلى اكتشاف مادة جديدة تسمى «الراديوم»، وهو عنصر معدني نادر يستعمل اليوم لعلاج ذلك المرض الخبيث المعروف باسم السرطان، شأنه شأن الذرة المستخدمة أيضا في علاجه. والراديوم باهظ الثمن، فالجرام منه يساوي عشرين ألفا من الجنيهات.
ولدت ماري كوري Marie Curie في سنة ١٨٦٧ في وارسو عاصمة بولندا، وكان الاسم الذي خلع عليها عند ولادتها هو ماريا اسكلودوفسكا، إذ إنها اكتسبت اسمها الذي عرفت به عند زواجها من عالم فرنسي فقير مغمور يدعى كوري. وعاش الاثنان في باريس يعملان معا في معمل صغير متواضع ويجريان فيه تجاربهما العلمية.
وكان لهما صديق من العلماء يدعى هنري بيكيريل، اكتشف في تلك الأيام مادة أسماها اليورانيوم، من خصائصها أنها ترسل أشعة، أو طاقة، غير منظورة، وأن هذه الأشعة تخترق الورق الأسود، وتنفذ منه إلى لوح معدني موضوع تحت الورقة. وأجرى بيكيريل تجربة مماثلة على ورقة مطلية بالقطران، فوجد أن تأثيرها في اللوح المعدني كان أشد وأقوى، فاستنتج أنه لا بد أن تكون في القطران مادة أخرى خلاف اليورانيوم، فمضى من فوره إلى الزوجين آل كوري، وأفضى إليهما بالأمر، فشد هذا الاكتشاف اهتمامهما، وأخذا يتساءلان عن ماهية هذه الأشعة العجيبة التي تخترق الأشياء، في حين أن الأشعة العادية للضوء لا تخترقها، وهل ثمة عناصر أخرى لها مثل هذه القوة الإشعاعية؟
وأخذت ماري كوري عندئذ تجري تجاربها على العناصر التي كان العلم يعرفها في تلك الأيام، فوجدت أن هذه القوة الإشعاعية لا تتوافر إلا لليورانيوم والثوريوم. ولكن بيكيريل أصر على رأيه من أنه لا بد أن يكون في القطران عنصر إشعاعي آخر، وبدأت ماري كوري تجري مزيدا من التجارب، يعاونها زوجها في أوقات فراغه، إذ كان يعمل مدرسا في مدرسة العلوم الطبيعية. ولكنهما كانا في حاجة إلى كميات كبيرة من القطران لتحليلها، وإلى معمل مجهز بالآلات والأدوات الحديثة، فسمح لهما ناظر المدرسة باستعمال غرفة في الفناء لم يكن في حاجة إليها.
ولكن من أين لهما القطران وهو باهظ الثمن؟ كان من حسن حظهما أن بلغهما أن لدى الحكومة النمساوية أطنانا من القطران لم تعد في حاجة إليها بعد أن استخرجت منها مادة اليورانيوم، إذ أصبح القطران بذلك عديم القيمة، فتعاقدا على شرائه مقابل دفع نفقات الشحن فحسب، فقد كانت الحكومة النمساوية تتمنى أن تتخلص من هذه المخلفات بأية وسيلة كانت.
ومضت ماري كوري، بمعاونة زوجها، تجري تجاربها، فتنقي القطران وتصفيه، وتغليه على نار درجة حرارتها مرتفعة، فيتحول القطران إلى بخار تسود منه ثيابها ووجهها، وتدمع من تأثيره عيناها، ولا تتبقى بعد تصفية البخار إلا بضع قطرات هي التي استخلصت من كمية كبيرة من القطران، فتسارع ماري كوري إلى الاحتفاظ بها في أنابيب الاختبار.
ولزمت ماري كوري فراشها في الشتاء ثلاثة شهور مصابة بنزلة رئوية حادة، وما كادت تعود إلى معملها حتى تخلت عن عملها فترة من الوقت لتضع ابنتها الأولى إيرين، بيد أنها عادت إلى العمل بعد أسبوع واحد من الوضع.
وفي سنة ١٨٩٨ استقال زوجها بيير من عمله في مهنة التدريس، وأمضى ثمانية أعوام يعاون زوجته في تجاربها. وأخيرا كتب لهما النجاح، واكتشفا أن في القطران الخام عنصرين آخرين مشعين، أطلقت على أحدهما اسم «بولونيوم» وعلى الثاني اسم «راديوم»، كما اكتشفت أن القوة الإشعاعية للراديوم تزيد أكثر من مليون ضعف على القوة الإشعاعية لليورانيوم الذي سبق أن اكتشفه زميلهما بيكيريل، ونال الثلاثة، الزوجان كوري وبيكيريل، جائزة نوبل مكافأة لهم.
وإذا كان الزوجان كوري قد عرفا الآن أن الراديوم موجود، إلا أنهما قضيا أربعة أعوام أخرى حتى استطاعا أن يستخرجا حبات قليلة من أملاح الراديوم. وفي سبيل هذا كان عليهما أن ينخلا، وأن يذيبا، وأن يغليا، وأن يصفيا ثمانية أطنان من مخلفات القار، أي القطران، فتصور أي جهد بذلا وأي عناء كابدا!
وأملاح الراديوم عبارة عن بلورات دقيقة بيضاء، تشع في الظلام وترسل ضوءا، وعرف آل كوري أيضا أن الراديوم مادة خطرة على من يعمل به أو يلمسه، فالبلورة الصغيرة منه، حتى وهي داخل إناء معدني مغلق، يمكن أن تحرق الجلد وتسبب فيه قرحة شديدة، ولذلك أصابتهما بعد العمل بالراديوم زمنا قصيرا قرحات عديدة وحروق شديدة في الأصابع.
وكان اكتشافا طبيا رائعا أن يعرف الأطباء أن للراديوم القدرة على قتل خلايا الجسم الإنساني، فقد وجدوا أنه يمكن استخدامه في القضاء على الخلايا السرطانية وإيقاف نموها، فكان الراديوم بذلك علاجا ناجحا في مقاومة السرطان.
والآن كان الشغل الشاغل للزوجين كوري هو الطريقة التي يستطيعان بها إنتاج الراديوم بحالة نقية خالية من الشوائب، ومما يؤسف له أن زوجها لم يشاطرها مجد هذا الانتصار، فقد دهمته سيارة وقضى نحبه في عام ١٩٠٦، ورأت فرنسا تقديرا منها للعالمة العظيمة أن تعينها أستاذة في الجامعة مكان زوجها، فكانت أول امرأة تتبوأ مثل هذا المنصب.
وبعد انقضاء عامين استطاعت مدام كوري أن تنتج جراما واحدا من الراديوم النقي الخالص، ومنحت مكافأة لها على ذلك جائزة نوبل للمرة الثانية.
فالفضل في علاج السرطان بالراديوم والحد من انتشاره إنما يرجع إلى مدام كوري، كما أن القوة الإشعاعية للراديوم هي التي أدت إلى اكتشاف الطاقة الذرية التي يعالج بها السرطان اليوم، والتي شقت الطريق أمام الجيل الحاضر إلى عصر جديد من العلم.