القراصنة في البحار القديمة
القراصنة في البحار القديمة
إن القرصنة عملية قديمة قدم السفر والسرقة. فما إن تعلم الإنسان أن يصنع قاربا ينقله هو ومتاعه، حتى فكر إنسان آخر في قطع الطريق عليه وسرقة قاربه ومتاعه. وتلك حقيقة لا ريب فيها. بدأت القرصنة في كل بحار العالم بهذه الطريقة، فقلة من الرجال، أكثر قوة وأسوأ سمعة، تقتني سفينة وتعتدي على الضعفاء من البحارة.

وكانت القرصنة بطبيعتها لعبة قتل. وقد بدأت في النصف الثاني من القرن السابع عشر بالاحتكار الإسباني لمستعمرات جزر الهند الغربية، ومن ثم أصبحت التجارة في هذه المنطقة مقصورة على الدولة الأم، إسبانيا. وكان هذا بمثابة دعوة مفتوحة للمغامرين، لأن إسبانيا كانت عاجزة عن سد احتياجات ممتلكاتها في جزر الهند الغربية.

أما قراصنة البحر الكاريبي، فكانوا في الأصل تجار لحوم، يقومون بتجفيف اللحم وتمليحه في أماكن تسمى «البوكانس». ومن هنا جاءت كلمة «بوكانير» أو قرصان. وكانت جزيرة هسبانيولا هي القاعدة الأولى للقراصنة، ولكن سرعان ما طردهم الإسبان منها، وأدى ذلك إلى تحويلهم من جزاري لحوم إلى جزاري بشر. وقد تمركز «البوكانيرز» في جزيرة تورتوجا الصغيرة، وأسسوا فيها دولة لهم. وكان علمهم المميز المسمى «الجولي روجر»، وهو عبارة عن رسم جمجمة تحدها عظام متقاطعة، يرفرف في أعالي البحار.

وبعد وقت قصير، وصل القراصنة إلى مستوى عال من التنظيم، وأصبح لهم سجل مكتوب يحتوي على قوانينهم. وكانوا يتعاملون على أساس القاعدة القائلة: «لا دفع بدون غنيمة»، أي إن القرصان البحار كان يعود إلى البر بجيوب خاوية إذا فشلت سفينته في القيام بعمليات سلب أو نهب. أما الغنائم، فكانت توزع طبقا للمسؤولية: القبطان له خمسة أو ستة أمثال نصيب البحار العادي. وبحار السفينة، مثلا، يأخذ ١٥٠ قطعة ذات قيمة معينة، وجراح السفينة يأخذ ٢٥٠ قطعة من القيمة نفسها، وهكذا.

كان تشويه أو بتر أحد الأعضاء مصدرا يدر المال، فكانت الذراع اليمنى تساوي ٦٠٠ قطعة، واليسرى ٥٠٠، والساق اليمنى تساوي ٥٠٠، واليسرى ٤٠٠. أما الأعين فكانت قيمتها منخفضة، فكل عين تساوي ١٠٠ قطعة فقط، وللأصبع هذه القيمة نفسها. والجدير بالذكر أن القراصنة كانوا يتكتلون في الشدائد، مكونين بذلك رابطة أخوة حقة.

وقد أغار الإسبان على تورتوجا مرارا، حتى تمكنوا من طرد «البوكانيرز» منها. ولذلك اتخذ القراصنة، وهم غالبا من الإنجليز والفرنسيين، مركزا جديدا لهم في مستعمرة «بورت رويال» الإنجليزية بجامايكا. وفي فترة وجيزة، عرفت «بورت رويال» بأغنى وأعنف مكان على الأرض. وأصبح اسم «هنري مورجان»، وهو من مقاطعة ويلز، أشهر اسم في «بورت رويال»، فقد أبحر إلى «بورتو بيلو» وتمكن من الاستيلاء عليها بطريقة ذكية.

وكانت قمة نجاح هذا الشقي عملية الاستيلاء على «بنما»، فقد قاد قوة من ١٨٠٠ رجل، وعبر بها نهر «الشاجر». وبخطة محكمة، تمكن من التغلب على حامية المدينة وإخضاعها. وبينما كان رجاله قد شغلوا بالشجار على تقسيم الأسلاب والغنائم، هرب «مورجان» بالقدر الأكبر منها. وبدلا من أن يشنق، أنعم عليه بلقب «فارس»، إذ إن القضاة والمحلفين في بريطانيا رفضوا إدانة رجل أصبح بطلا قوميا في نظرهم. واستنادا إلى القول القائل: «إن اللص هو خير من يمسك باللص»، فقد أرسل «مورجان» إلى جامايكا لتصفية حركة القرصنة هناك.

وأخيرا، مات «السير هنري مورجان» في فراشه، وهو ثري، يتمتع بحب الشعب الإنجليزي. وقد باءت محاولات بريطانيا في القضاء على القراصنة بالفشل، وذلك بسبب مساندة تجار وزراع مستعمرة بورت رويال لهم.

وقد استمرت حركة القرصنة في الازدهار. ففي يناير من عام ١٦٨٠، اتجهت مجموعة من القراصنة إلى المحيط الهادي، مارة بمضيق بنما. وتقدمت على طول سواحل أمريكا الجنوبية، تستولي على السفن وتنهب البلاد. وقد ارتكب القراصنة خطأ واحدا فقط، فعندما استولوا على إحدى السفن التجارية الإسبانية، عثروا فيها على ما اعتقدوا أنها خنازير من صفيح. وما لبثوا بعد أن ألقوا بها في البحر أن عرفوا أنها من فضة، وأنها تساوي ١٥٠,٠٠٠ جنيه. وفي النهاية لم يستطع القراصنة احتمال حر «بورت رويال» الشديد، فتفرقوا في جزر الهند الغربية والبهاما.

ولقد حدث في ذلك الحين، وهي الفترة ما بين ١٦٨١ و١٦٨٢، أن خريجا حديثا في كلية «كريست تشيرش» بأكسفورد قضى فترة من الوقت بين القراصنة وعاش مثلهم، أو هكذا كانت الإشاعة. وكان اسم هذا الرجل «لانسلوت بلاك بيرن»، وقد قيل إنه أصبح أسقف مقاطعة يورك بإنجلترا. وبعد مرور سنوات طويلة، قدم سيف الأسقف إلى كليته القديمة «كريست تشيرش». ومن هنا نشأت الأسطورة أن الويل كل الويل لمن يسحب هذا السيف من غمده.

وهناك أسطورة ثانية متعلقة بالأسقف «بلاك بيرن» وخادمه قاطع الطريق الشهير «ديك ترين». تقول الأسطورة إنه كلما غادر الرجل وخادمه المنزل، تعرضت القافلة المتجهة شمالا لعملية سطو، وهذا لا ريب فيه.

وفي عام ١٦٩٧، نشبت الحرب بين فرنسا من جهة، وإسبانيا وإنجلترا من جهة أخرى. وأرسل «جون برنارد دي تشين» من فرنسا لغزو قرطاجنة، ونجح في ذلك بفضل مساندة القراصنة له في هسبانيولا. ووصل الأسطول المشترك من القراصنة والفرنسيين إلى شواطئ قرطاجنة، ولعب الستمائة وخمسون قرصانا، بقيادة «دوكاس»، دورا كبيرا في الاستيلاء على المدينة.

ولكن بدأت المشاكل حول تقسيم محتويات الكنز الذي عثروا عليه في قرطاجنة، والذي كان يساوي ٢٠٠,٠٠٠ جنيه. فإن «دي تشين» قال بأن للقراصنة نصيبا أقل من نصيب الجيش الفرنسي. وما إن رحل «دي تشين» حتى نهب «دوكاس» ورجاله المدينة مرة أخرى، فعذبوا أهلها، وسلبوا كل شيء فيها. وفي طريق عودتهم إلى هسبانيولا التحموا مع الأسطول الإنجليزي الإسباني المشترك، الذي تمكن من الاستيلاء على كل الغنائم وقتل كثيرا من القراصنة.

وبالرغم من ذلك، تمكن القراصنة، كعادتهم، من الفوز في النهاية. فقد منح ملك فرنسا «دوكاس» زعيمهم لقب «فارس سانت لويس»، وأعطى له ٤٠٠,٠٠٠ فرنك ليوزعها على رجاله. وكانت آخر مغامرة للقراصنة هي عملية الاستيلاء على قرطاجنة، فمنذ ذلك الحين بدأت كل من إنجلترا وهولندا في الاهتمام بجزر الهند الغربية. وأخذت قوة إسبانيا في الضعف، وتدهورت معها عملية القرصنة التي ازدهرت في ظل فساد إسبانيا وبسببه.

وقد عاش القراصنة أياما أخرى عظيمة، ولكنها لم تكن تضارع أيام المجد في ظل الحكم الإسباني، لأن تلك كانت حقبة تزخر بالمغامرات والانتصارات الكبيرة.
المصدر: مجلة تان تان
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة