لقد ظل الزجاج آلاف السنين من الأشياء التي ينظر إليها فقط، ويقتصر استعمالها على صناعة التحف الثمينة ولأغراض الزينة. وقد أصبح الزجاج من المواد النافعة والحيوية فعلا، عندما بدأ الناس ينظرون من خلاله، وليس إليه فقط.
ونحن لا نعلم على وجه اليقين متى أو أين بدأت صناعة الزجاج، ولكننا نعلم أنه من المواد التي استعملها الإنسان منذ أمد بعيد. والمواد التي تدخل في صناعة الزجاج هي الرمل والبوتاس والجير، فيصهر هذا المزيج تحت درجة حرارة مرتفعة. ولتوافر كل هذه المواد في كثير من أنحاء العالم، فإن صناعة الزجاج يمكن أن تنسب إلى أماكن عديدة.
ويقال إن الفينيقيين هم مكتشفو الزجاج، فعندما وصلت سفينة إلى أحد شواطئ أنهار سوريا، أراد أفراد طاقمها طهي الطعام، ولما لم يجد البحارة أحجارا ليضعوا فوقها غلايتهم، استعملوا قطعا من النيتر، وهو مركب صوديوم، وعندما امتزج النيتر بالرمال وارتفعت حرارته، تحول إلى زجاج سائل!
ونحن لا ندري مدى نصيب هذه القصة من الصحة، ولكن مما لا ريب فيه أن سوريا من أولى بلاد العالم في صناعة الزجاج. وقد اشتغل الفينيقيون بالتجارة في المصنوعات الزجاجية في كل بلاد البحر المتوسط.
وتعد مصر من المناطق التي عرفت صناعة الزجاج مبكرا، فقد عثر على خرزات وتعويذات من الزجاج في مقابر يرجع تاريخها إلى ٧٠٠٠ سنة ق.م، ولكننا نعلم أن هذه الأشياء كانت تأتي من سوريا، أما المصريون فقد عرفوا فعلا صناعة الزجاج عام ١٥٠٠ ق.م. وقد مزج المصريون صوان الكوارتز مع الرمال للحصول على زجاج ملون، واكتشفوا أيضا أنهم يستطيعون الحصول على زجاج أخضر أو أزرق بإضافة الكوبالت أو النحاس أو المنجنيز للمزيج المستعمل في صناعة الزجاج. كما تعلم المصريون في عام ١٢٠٠ ق.م عملية ضغط الزجاج وتشكيله في قوالب. ولكن لم يظهر استعمال منفاخ الزجاج إلا قبل مجيء المسيحية بفترة وجيزة، وكان هذا المنفاخ اختراعا فينيقيا.
والرومان من أكثر الشعوب استعمالا للزجاج، حتى إنهم صنعوا ألواح الزجاج الرقيقة لتغطية الجدران. وعندما جاءت المسيحية، كان الزجاج يستعمل في صناعة النوافذ!