إيفان والد روسيا
إيفان والد روسيا
نشأ إيفان الصغير في بيئة قاسية، حتى إنه عندما شب عن طوقه لم يحترم الحياة. وبالرغم من هذا، فعند وفاته حزنت عليه روسيا بأسرها، وذلك لأنه هو صانع عظمة هذا البلد. «أنا والد روسيا، وشعبها أسرتي»، كانت هذه هي كلمات إيفان المأثورة. وعلى الرغم من قوته وصرامته، فإن إيفان يعد بطلا قوميا محبوبا لدى الشعب الروسي، وقد ظل هكذا حتى بعد وفاته.

كانت روسيا، قبيل تولي إيفان الحكم، بلدا صغيرا مقسما إلى مقاطعات مبعثرة حول موسكو. وكانت كل مقاطعة تخضع لسلطة حاكمها المطلقة، وكان هذا الحاكم من النبلاء أو البويارز Boyars. إن والد إيفان كان دوق موسكو الأكبر، ولكن سلطته في الواقع كانت محدودة، لاضطراره، في كثير من الأحوال، إلى تنفيذ رغبات النبلاء من زيادة مستمرة في المال والسلطان.

كان النبلاء يمقتون إيفان، وعندما توفي والده وهو في الثالثة من عمره، ووالدته وهو في الثامنة، انتهزوا هذه الفرصة لإلحاق الأذى بالدوق اليتيم وبشقيقه. وكان على رأسهم رجل يدعى شويسكي، ومن هنا كان الأخوان يضربان ويعاملان بقسوة وظلم، ولا يأكلان إلا القليل من الطعام، ويرتديان الثياب القديمة التي نبذها أولاد النبلاء.

أصبحت القسوة جزءا من حياة إيفان اليومية. أما شويسكي فكان يعامله بغلظة وعنف، ويشجعه على القسوة مع الناس والحيوانات، وذلك بهدف جعل حاكم موسكو في المستقبل مكروها من رعيته ومن شعبه. ولكن دارت بشويسكي الدوائر، وغدا ضحية لتعاليمه وأساليبه، فعندما بلغ إيفان الثالثة عشرة تمكن من إزهاق قوة النبلاء والوصول إلى العرش، وأصدر أمرا بقتل معلمه شويسكي.

وبالرغم من كل الصعاب والمشاق التي مر بها، فإن حياة إيفان كان لها جانب آخر، فكان يختفي أحيانا تماما لعدة أيام، يبحث فيها عنه رفاقه ورجال البلاط في ممرات الكرملين المظلمة، ويصيحون: «أين إيفان؟ ألا يأتي معنا للصيد اليوم؟» ولكن كان البحث ينتهي برد أسقف موسكو الملتحي: «إن الدوق إيفان معتكف للدرس في المكتبة، ولا يريد أن يزعجه أحد». ويعود الرفاق وهم يهمهمون، فإن أحدا منهم لم يتعلم القراءة التي كانت مقصورة على القساوسة في ذلك الحين. وبدا لهم الأمر غريبا أن يفضل واحد القراءة على الفروسية والصيد، ولكنهم كانوا أعقل من أن يتحدوا رغبات إيفان.

على أن تلك الدراسات والقراءات كانت هي السبيل إلى عظمة روسيا، فقد قرأ إيفان الدين والتاريخ القديم، واطلع على تاريخ إمبراطوريات روما القديمة، ومن ثم فقد أعطى لنفسه لقب «تزار»، وهو يعني قيصر، وأصبح إيفان الرابع أول قيصر لروسيا.

كان إيفان يمضي الكثير من الوقت في القيام برحلات طويلة، يعيش خلالها حياة الراهب القاسية، ويزور أضرحة القديسين القدامى. وقد تمكن إيفان من القضاء على أخطر أعدائه، وهم طبقة النبلاء، عن طريق قتلهم بتهمة الخيانة وتهم أخرى. وسمح إيفان لأفراد الشعب بالتوجه إليه مباشرة، بحثا عن العدالة، إن افتقدوها لدى حكام المقاطعات من النبلاء. وبهذا غدا إيفان حامي الشعب ومنصف الرعية.

وكان التتار، سكان السهول الجنوبية، أخطر وأشرس أعداء روسيا، فأعد إيفان جيشا كبيرا، وقاده إلى منطقة الكازان، معقل التتار، وحاصرها فترة طويلة، ثم نسف حائط المدينة المنيع. وبعد معركة رهيبة تمكنت جيوش إيفان من اقتحام المدينة وإخضاعها تماما. وعلى طول الطريق المؤدي إلى موسكو، تجمع الشعب الروسي مهللا لقيصره المظفر.

وخلال فترة حكمه الطويلة، من عام ١٥٣٣ إلى عام ١٥٨٤، أحرز إيفان انتصارات أخرى كثيرة، وامتدت حدود روسيا إلى البحر الأسود في الجنوب، والأبيض في الشمال، ودخلت مناطق كبيرة من سيبيريا ومناطق أخرى في الشرق تحت نفوذ قيصر روسيا.

ولكن المآسي والكوارث وجدت إلى جانب الفرحة والانتصارات. فمنذ الصغر، تعلم إيفان ألا يثق بأحد، ولذا أنشأ قوة شرسة من البوليس السري تسمى «الأوبريشنينا»، كان أعضاؤها يرتدون أروابا سوداء كأرواب الرهبان، ويمتطون جيادا سوداء ذات سروج سوداء. وكانت لهم سلطة القضاء على المشتبه فيهم من الخونة. وفي إحدى المرات، حطموا مدينة نوفوجورد بأسرها، لأن أسقفها كان متهما بتدبير مؤامرة للإطاحة بالقيصر. على أن إيفان لم يلبث في النهاية أن عاقب البوليس السري على جرائمه وفظائعه.

لعل أتعس اللحظات في حياة إيفان كانت تلك التي قتل فيها ابنه المفضل، وهو في حالة هياج. وقد غدا القيصر بعد هذا الحادث محطم القلب، وتملكه الأسى الشديد على ولده أسابيع طويلة. ولم يفق إيفان من هذه الصدمة، فمات بعد ذلك بثلاثة أعوام.

وبعد وفاته، ظلت أجراس الكنائس الحزينة تدوي في أجواء موسكو لمدة ثلاثة أيام كاملة، امتلأت فيها الشوارع بجموع الشعب تبكي إيفان، والدهم وحاميهم. لقد أحبه الشعب لما قدم لروسيا، إذ حولها من دوقية صغيرة إلى إمبراطورية عظيمة تضارع فرنسا وإنجلترا. وتذكر الشعب انتصارات إيفان على التتار في الكازان، وقضاءه على ظلم النبلاء وطغيانهم. ومن هنا فقد حزن الشعب الروسي حزنا عميقا على هذا الحاكم القاسي، الذي كان له بمثابة رب أسرة، يحتاج أفرادها إلى المعاملة الصارمة للمحافظة على مصالحهم.

وقد وضع جثمان القيصر داخل نعش خشبي بسيط، وهو حليق الرأس، يرتدي ثياب الراهب، وانتقل هكذا إلى مثواه الأخير في كاتدرائية أرخان جلسكي العظيمة.
المصدر: مجلة تان تان
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة