أسرع الراعي، وهو يرتجف رعبا، إلى داخل الكوخ، وأوصد بابه عليه. وبعد ثوان، كان المخلوق الغريب فوق السطح يمزق قطعا كبيرة منه.
فجأة، تجمد الراعي الذي كان يرعى خرافه وماعزه في أعالي جبال نيبال. فقد تجمع القطيع، والتصق بعضه ببعض، وهو خائف مذعور، وتلك بلا ريب علامة خطر. إن شعب الشريا، سكان نيبال، الذي يقطن منحدرات جبل إيفريست، ألف حماية قطعانه من الحيوانات المفترسة. ولذا رفع الراعي عصاه بهدوء، وهو واثق من قدرته على مجابهة المعتدي، ظنا منه أنه ذئب جبلي أو فهد.
ولكن هذا الكائن الذي كان يتقدم نحوه لم يكن حيوانا مألوفا، فإنه يبلغ من الطول حوالي ١٥٠ سنتيمترا، وله شعر أحمر كثيف يغطي جسمه، وينسدل فوق عينيه. أما أسنانه فبارزة، ورأسه مخروطي الشكل كرأس قرد. وهنا فزع الراعي عندما تعرف على الكائن: «إنه الييتي!».
وهذه كلمة تعني في الغرب: مخلوق الجليد العجيب. قد يستطيع الراعي مواجهة الذئاب والفهود، ولكن هذا المخلوق! اندفع الراعي إلى داخل كوخ مجاور، وأوصد الباب عليه. وبذلك غدا في مأمن مؤقت. ولكنه سرعان ما سمع الكائن وهو يمزق قطعا كبيرة من السطح بيديه القويتين. فتملك الراعي اليأس، وأسرع بإشعال النار، لعل الدخان الكثيف يفزع المعتدي ويحمله على الفرار. لقد نجحت الحيلة، وفي غضب وهياج، قفز الكائن الغريب من على السطح، وانسل نحو الجبل، تاركا آثار أقدام واضحة على الجليد.
كان الراعي الذي مر بهذه التجربة المخيفة هو والد «تانزنج توركي»، الذي تسلق قمة جبل إيفريست في صحبة «السير إدموند هيلاري» عام ١٩٥٣. إن «تانزنج» وأهالي نيبال يعتقدون اعتقادا قويا في صحة هذه القصة، إذ إن الكثيرين منهم قد رأوا المخلوق، أو سمعوا نداءه الغريب في الليل.
ولكن السؤال ما زال مطروحا: هل مخلوق الجليد العجيب واقع أم خيال؟ هل هو كائن حي أم أسطورة؟ وسبب هذا السؤال بسيط، فإن أحدا لم يتمكن من تصوير «الييتي» أو الإمساك به حتى الآن.
إن العلماء يتهكمون من فكرة وجود هذا الكائن. وهناك رجل أوروبي واحد فقط ادعى رؤيته، وكان ذلك منذ أكثر من خمسين عاما مضت. ومع ذلك، فإننا لا نستطيع أن نأخذ ما قاله على محمل الخيال، لأن الكثيرين من متسلقي الجبال والمستكشفين الأوروبيين مقتنعون بوجود مخلوق الجليد العجيب.
فالسير جون هنت، مثلا، وهو رئيس بعثة عام ١٩٥٧ إلى جبل إيفريست، رأى آثارا في الجليد لا يمكن أن تكون لإنسان، فهي تسير أحيانا في تواز، وأحيانا أخرى في تقاطع. ويقول «هنت» إن هذه الآثار لو كانت لإنسان لسارت في خط مستقيم، فتلك هي الطريقة المألوفة لتسلق الجبال.
إن أول من سجل كتابيا هذه الآثار الغريبة كان أحد متسلقي الجبال الإنجليز عام ١٨٨٧، وذلك قبل ظهور اصطلاح «مخلوق الجليد العجيب» بوقت طويل. وأول رجل تمكن من رؤية «الييتي» كان عالم النباتات «هنري الويز»، الذي قدم مذكرات ورسومات مفصلة عن هذا المخلوق عام ١٩١٤. ولكن لسوء الحظ فقدت تلك المذكرات، وفقد معها الدليل.
وعلى مر السنين، ادعى آخرون أنهم رأوا آثارا «للييتي»، أو حتى شاهدوا المخلوق نفسه عن بعد. ولكن يرجع الفضل في التقاط أول صور فوتوغرافية لآثار هذا الكائن إلى المكتشف العالمي «إريك شيبتون». ولقد فحص العلماء تلك الصور بدقة، وكانت آثار الأقدام فيها متباعدة بحوالي ٦٥ سنتيمترا، مما ينم عن مخلوق يبلغ من الطول حوالي ١٨٠ سنتيمترا. ولكن هذه الآثار لم تكن لأي جنس مألوف من الحيوان. واعتقد بعضهم أن هذه آثار لدب أو قرد، ولكن حجمها والمسافة بينها نفت تلك الفكرة.
ولذا فقد ظل اللغز غامضا كما هو، ودرج مدرج القصص الغريبة. ولكن في عام ١٩٥٤، نظمت صحيفة إنجليزية بعثة إلى جبال نيبال، للبحث عن الدليل القاطع الذي يزيل الغموض عن هذا اللغز.
توغل العلماء والمصورون من أعضاء البعثة في أعالي جبال نيبال، وفي الحال شاهدوا آثارا على الجليد، فانتابهم إحساس بالتفاؤل، إذ سرعان ما ستكون لديهم صور فوتوغرافية للمخلوق الذي شغل بال العالم فترة طويلة. وفعلا، تتبعوا الآثار بدقة شديدة، كما يتتبع الهندي الأحمر فريسته في الصيد. ولكن تلك الآثار ما لبثت أن اختفت في المناطق غير المغطاة بالجليد. وظلت الحال كذلك، حتى تمكنت البعثة من اكتشاف آثار للمخلوق الغريب، وهو يتزحلق على أرجله الخلفية، جارفا الجليد بيديه القويتين. ومع ذلك، فلم يعثر أحد على دليل ملموس «للييتي».
وتجولت البعثة أسابيع طويلة في منطقة جبال نيبال، ولكن دون جدوى. والجدير بالذكر أن البعثة قطعت في تلك الفترة الوجيزة ما مساحته ١٠,٠٠٠ ميل مربع من أرض وعرة صعبة، ولكن تبقى الحقيقة التي لا ريب فيها، وهي أن أحدا لم ير «الييتي» حتى الآن. على أن أهالي نيبال أنفسهم لا يتعجبون من هذا، لأنهم يعتقدون أن «الييتي» مخلوق جوال، ليس له كهف يمكن الوصول إليه. وفي أي الحالات، فإنهم اعتادوا أن يهيئوا لهذا المخلوق الغريب مأوى ضخما.
ومن هنا تطرح هذه الأسئلة: هل من الممكن أن يكون أهالي نيبال قد أخطأوا فيما رأوا؟ وهل من الممكن أن يكون هذا المخلوق من نسج الخيال، وأنه في الواقع دب أو قرد؟ وبالإضافة إلى ذلك، فإن حفريات الجيولوجيين كشفت لنا عن وجود نوع من القردة الضخمة كانت تقطن جبال الهمالايا، نيبال، منذ آلاف السنين. فمن الجائز إذن أن تكون هذه الحيوانات، أو ما يشبهها من سلالات، لا تزال تعيش في المنطقة حتى يومنا هذا.
وإن قدر لنا يوما أن نزيل الغموض عن لغز مخلوق الجليد العجيب، فسيكون ذلك غالبا عن طريق المصادفة، وليس نتيجة خطة موضوعة. ومن الجائز أن تستطيع إحدى البعثات التي يزخر بها جبل إيفريست اكتشاف واحد من هذه المخلوقات العجيبة. ولكن حتى يحين هذا الوقت، سيظل لغز مخلوق الجليد العجيب قصة غامضة غريبة، يمتزج فيها الواقع بالخيال.