كان الديكتاتور جوزيف ستالين رئيسا لوزراء روسيا على مدى ٢٤ عاما مليئة بالأحداث. واسم «ستالين» يعني «الرجل الفولاذي»، وكان الرجل كذلك فعلا، فقد سيطر على زمام الأمور بقبضة فولاذية، وتمكن من القضاء نهائيا على جميع ألوان المعارضة.
ونستطيع القول إن قسوة ستالين لم تكن بدون مبرر، فعندما وصل إلى مركز القوة، كانت روسيا السوفييتية جمهورية جديدة، ولدت في جو من الثورة القومية والحرب الأهلية. وكانت حالة البلاد سيئة للغاية، فقد انتشر الفساد، وتفشى الجوع. وكان ستالين في الواقع مثل رئيس العمال الذي لا يلين. وفي النهاية كان أسلوبه العنيف هو السبيل إلى عظمة الاتحاد السوفييتي وقوته.
ولد ستالين عام ١٨٧٩ في مقاطعة جورجيا، جنوب روسيا، وكان والده صانع أحذية. أما اسمه الحقيقي، فهو «جوزيف جوغاشفيلي». وكانت روسيا في ذلك الحين تخضع لنظام القياصرة، وكانت كلمة القيصر هي القانون، وكل أعضاء الحكومة من الطبقة الأرستقراطية. وعاش الملايين من العمال والفلاحين عيشة قاسية تعسة.
ولذا ثار رجال مثل لينين وتروتسكي وستالين ضد النظام القيصري، وعملوا على القيام بثورة تطيح به وتأتي بجمهورية، تكون فيها ملكية الأراضي الزراعية والمصانع للشعب وحده. واتخذ «جوزيف جوغاشفيلي» اسم ستالين في السنوات الأولى للنشاط الثوري السري، واحتفظ بهذا الاسم حتى نهاية حياته. وقد ألقى بوليس القيصر القبض على ستالين ونفاه إلى سيبيريا، ولكنه تمكن من الهرب، إلا أنه أعيد مرة أخرى إلى منفاه. وعندما قامت الثورة في نوفمبر ١٩١٧، كان ستالين ما زال في الأسر.
أعادت الثورة ستالين إلى بلاده، وأصبح من الأعضاء البارزين في حزب لينين البولشفيكي. وعندما تنحى القيصر نيكولاس الثاني بعد قيام الثورة مباشرة، شكلت حكومة مؤقتة برئاسة ألكسندر كيرنسكي. وعارض لينين منهج هذه الحكومة الليبرالي، وتمكن من القبض على زمام الأمور والتغلب على كيرنسكي بالقوة. وكان من نتيجة ذلك أن أعد كيرنسكي جيشا لمحاربة البولشفيكيين.
وكانت المعركة الفاصلة في مشارف مدينة بتروجراد، العاصمة، وفيها قاد لينين فرقة من عمال المصانع لعبت دورا مهما في هزيمة كيرنسكي. وأعقبت هذه المعركة ثلاثة أعوام شهدت فيها البلاد أهوال الحرب الأهلية.
وعندما استتب الأمر للحكومة البولشفيكية بزعامة لينين، احتل ستالين مركزا مهما فيها. وكان يتميز بقوة فائقة على التنظيم، وتعطش شديد للقوة والسلطة. وبعد أن أصبح الحزب البولشفيكي يسمى الحزب الشيوعي، وهو الجهاز المسيطر في روسيا السوفييتية، غدا ستالين سكرتيرا أول للجنة المركزية فيه. وعلى أثر وفاة لينين عام ١٩٢٤، احتدم النزاع على السلطة العليا بين ستالين وليون تروتسكي.
كان ستالين بارعا في تدبير المكائد، شديد الدهاء، لا يعرف الرحمة. وبحكم عمله سكرتيرا للجنة المركزية للحزب الشيوعي، تمكن من الاستيلاء على كل المراكز الحيوية في الحكومة. وفي عام ١٩٢٩ استطاع أن يطرد تروتسكي من الحزب وينفيه خارج البلاد. ومنذ ذلك الوقت، أصبح ستالين الرجل الفولاذي، وسيد روسيا المطلق بلا جدال. وفي الحال شرع في خطته الخمسية الأولى لتطوير الصناعة والزراعة، وكانت بمثابة برنامج عمل مركز للتقدم.
وللحفاظ على سلطته، حول ستالين روسيا إلى «دولة بوليسية» ترتكز على التعسف والإرهاب. وسرعان ما كممت الأفواه التي تنطق بالمعارضة، وقتل الآلاف في حملات التطهير في أواخر الثلاثينات.
لم يكن لدى ستالين أي نوع من الثقة إزاء الغرب، وفي عام ١٩٣٩ وقع «اتفاقية عدم اعتداء» مع هتلر. ولكن الأخير قلب ظهر المجن للاتفاق، وغزا روسيا عام ١٩٤١، ومن ثم تحالف ستالين مع بريطانيا وأمريكا.
إن زعامة ستالين وشخصيته القوية هي التي حافظت، دون ريب، على تماسك روسيا وتصديها للعدوان الألماني. ولو كان مكان ستالين رجل أقل منه عنفا، لانهار في مواجهة التحدي. وبمساعدة أسلحة الحلفاء ومعداتهم، تمكن الروس من اتخاذ الموقف الهجومي، وحمل القوات النازية على الارتداد إلى ألمانيا.
وبانتهاء الحرب وإحراز النصر، استأنف ستالين موقفه العدائي تجاه الغرب. وفي ذلك الحين كان الكثير من دول أوروبا الشرقية والحكومات الشيوعية يخضع للنفوذ الروسي. وهنا أسدل ستالين «الستار الحديدي» ليحجب كل التيارات والمؤثرات الغربية، وكان ذلك إيذانا ببدء «الحرب الباردة» بين الكتلتين.
والجدير بالذكر أن قوة ستالين ظلت كما هي حتى وفاته في السادس من مارس عام ١٩٥٣. وكان دائما الزعيم الذي لا يخطئ، ورمز والد الأمة الحكيم. وقد حنط جثمانه واستقر إلى جانب جثمان لينين في الميدان الأحمر بموسكو.
ولكن بعد ثلاث سنوات، ألقى الزعيم الروسي خروشوف خطابا ندد فيه بستالين كطاغية مستبد. وقد أثبتت هذه الخطوة خطورة سيطرة رجل واحد على جميع أجهزة الدولة. ونقل جثمان ستالين، على إثر ذلك، من الميدان الأحمر إلى مكان آخر. وبدأ، منذ ذلك الحين، نسيم منعش أكثر حرية يهب على الاتحاد السوفييتي.