روبرت إي لي أشهر جنرال في الحرب الأهلية الأمريكية، وقد طلب منه إدارة دفة القتال. وقفت صفوف الرجال في سكون تحت شمس الربيع. وفجأة انطلق صوت النفير، ومعه المدفعية، محيية الفارس الطويل ذا اللحية. ودوى في الأجواء نداء جيش الاتحاد الخالد، فرفع الفارس، «الجنرال روبرت إي لي»، قبعته تحية للجنود. وانطلق النداء مدويا مرة أخرى. وجاء السؤال: «ألا يشعر الجنرال بالفخر عندما يشهد مدى حب الرجال له؟» وكان رد أحد ضباط لي: «إنه يشعر بالرهبة».
كانت السنة ١٨٦٤، وقد بقي عام على سقوط دولة الاتحاد، وهي مجموعة الولايات الجنوبية التي استقلت عن أمريكا في عام ١٨٦١. كان لي وجيش فرجينيا هما السبب وراء بقاء الجنوب مستقلا طوال هذه الفترة.
كان لي من فرجينيا، وعندما نشبت الحرب عرض عليه كل من الجانبين المتحاربين مركز القيادة. وكانت نفس الرجل حائرة ممزقة، فقد كان يؤمن بفكرة الاتحاد، وكان في الوقت نفسه ضد تجارة الرقيق التي كانت جزءا من حياة الجنوب، ولكن إيمانه بواجبه نحو ولايته طغى على أفكاره الأخرى، ومن هنا فاز الجنوب بواحد من أعظم القواد في التاريخ. كان لي في الرابعة والخمسين من عمره عندما نشبت الحرب، وقد أسهم أجداده في عملية توحيد أمريكا واستقلالها، وهو الآن بدخوله هذه الحرب يوشك أن يحطم كل هذا.
كانت قوة الشمال الصناعية الهائلة تهدد باحتواء الجنوب، ولذا كان النصر السريع أمرا ضروريا. كان رجال لي من المحاربين المتمرسين، فقد كان ضباطه من صفوة جيش الولايات المتحدة القديم الذي حارب في سبيل الاستقلال. ومساعد لي الأول كان «جاكسون» الذي لقب «بالحائط الحجري»، لأنه وقف هو ورجاله كالجدار المنيع في أول معارك بول في يوليو ١٨٦١. وقد كون الرجلان فريقا ممتازا.
نبغ لي في التكتيك والاستراتيجية، وكان مؤمنا بسياسة الهجوم. وقد كسب الحرب تقريبا في عام ١٨٦٢، وكانت جيوشه غالبا أصغر حجما من جيوش أعدائه، ولكن بفضل سرعة تحركاته ومعرفته الدقيقة بهم كان يتمكن من تحقيق النصر. وفي أغسطس من عام ١٨٦٢، بعد معركة بول الثانية، كان لي في حاجة إلى نصر واحد فقط لإنهاء الحرب، ولكن المعركة التالية في أنتيتام كانت سجالا بين الجانبين، ولم يقترب الجنوب من النصر مثل هذه المرة.
وفي عام ١٨٦٣، فقد لي «ذراعه اليمنى» جاكسون، عندما قتله أحد الرجال خطأ بعد انتصاره في معركة شانسلدوفيل. وكانت الحاجة إليه ماسة في معركة جيتسبرج التي استمرت أربعة أيام، وانتهت بانسحاب الجنوب. راقب ضابط إنجليزي المعركة، وكتب في مذكراته عن الجنرال لي قائلا: «إنه جندي أصيل في مظهره. إني لا أتصور أن يوجد رجل مثله، له القليل من الأعداء، والكثير من المعجبين في كل مكان». كانت المشكلة الآن هي إنقاذ الجنوب، وكان قائد الشمال الجديد رجلا عسكريا ماهرا، على نقيض خلفائه. كان «يوليس إس. جرانت» رجلا دميما غير مهندم المظهر.
لم يستطع جرانت أن يهزم لي، فبدأ في استنزاف قواته، وقد كلفته هذه العملية العديد من الضحايا. كان عام ١٨٦٤ عاما عسيرا على الجانبين. أثبت لي أنه نابغة في الدفاع، كما هو نابغة في الهجوم. فقد صمد حتى أبريل ١٨٦٥، ثم سلم بقايا جيشه إلى جرانت في محكمة أبوما توكس، وبهذا انتهت الحرب.
ذهب لي للقاء جرانت مرتديا أحسن ما عنده، وتحدث الرجلان عن أيامهما الماضية، عندما كانا يخدمان في جيش واحد. وسمح جرانت لرجال لي بالاحتفاظ بجيادهم لاستعمالها في الحرث. وتوجه لي إلى رجاله الملتفين حوله، حول عمهم «بوب»، وقال لهم: «إني فعلت لكم ما استطعت. إن قلبي مليء بالأسى ولا أستطيع أن أقول المزيد». وفي السنوات الخمس الأخيرة من حياته، حاول لي أن يأسو الجراح، ويمحو الحقد الذي تفشى في الجنوب. ولما كان محظورا عليه الالتحاق بالوظائف الرسمية، فقد أصبح مديرا لجامعة صغيرة. وكان حب الناس له يفوق ما كان عليه وهو قائد لجيش الجنوب.
وبعد قرن من وفاته، يحتل لي المكانة التالية بعد أبراهام لنكولن في قلب الشعب الأمريكي. كان لي رجلا حساسا، أضنته مآسي الحروب وفظائعها، ولكنه كان قائدا نابغا، يتمتع بقيادة جيش اعتبر من أقدر الجيوش في التاريخ.