يعقوب الكندي
يعقوب الكندي
هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، ويرتد نسبه في الجاهلية إلى قبيلة قحطان التي كان يحكم بعض سادتها بلاد اليمن، فكان الكندي بذلك من سلالة عريقة المحتد، وسليل ملوك عظام الشأن. ثم جاء الإسلام، فوفد على النبي، عليه صلوات الله، وفد كندة، وعلى رأسه الأشعث بن قيس، من أجداد الكندي، فأسلمت القبيلة على يدي الرسول. ولما انتقل إلى جوار ربه كانت قبيلة كندة بين المرتدين، فبعث إليهم أبو بكر الجند لقتالهم، فأنزلوا بهم الهزائم النكراء، وأخذ الأشعث إلى أبي بكر أسيرا، فاسترحمه أن يطلق سراحه، وأن يرد عليه زوجته، وهي أم فروة أخت أبي بكر، وكان قد خطبها لنفسه عقب إسلامه. وأجابه أبو بكر إلى سؤله، فعاد مسلما كما كان، مستغفرا ربه عما أثم في حقه، وتزوج أم فروة، ورزق منها بابنه «محمد»، وهو الجد الرابع ليعقوب الكندي. وتبوأت الأسرة في الإسلام مكانة رفيعة، وكان رجالها عند الخلفاء مقربين معززين، حتى لقد تولى إسحاق بن الصباح، والد الكندي، حكم الكوفة في سنة ١٥٩ هجرية في عهد الخليفة المهدي.

وقد اختلف الرأي في السنة التي ولد فيها يعقوب الكندي، وإن كان الأرجح أنه ولد في سنة ١٨٥ هجرية، أي ٨٠١ ميلادية، ومات في سنة ٢٥٢هـ، ٨٦٤م، بعد أن امتد به العمر ثلاثا وستين سنة.

ويقال أيضا إن أباه مات والكندي ما زال طفلا، فتولت أمه تنشئته ورعايته. وما كان الصغير لينسى أنه سليل الملوك والحكام، وأنه من بيت عريق في الحسب والنسب، فأقبل على العلم يقترف منه ليرفع من شأنه، ولم يدع بابا من أبواب المعرفة إلا حذقه وضرب فيه بسهم وافر، حتى أصاب بين العلماء مكانة رفيعة، فخلعوا عليه لقب «فيلسوف العرب»، وتارة أخرى «فيلسوف الإسلام»، فدان له اللقبان وعرف بهما.

ولقد قال عنه ابن النديم: «فاضل دهره، وواحد عصره، في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى فيلسوف العرب». أما القفطي فذكر عنه في أخبار الحكماء: «أبو يوسف الكندي المتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، متخصص بأحكام النجوم وأحكام سائر العلوم، فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها». أما ابن نباتة المصري فنعته بأنه «المسمى في وقته فيلسوف الإسلام».

ويقول العلامة أحمد فؤاد الأهواني في كتابه «الكندي فيلسوف العرب» إن مرجع هذا التباين في تسمية الكندي فيلسوف العرب أو فيلسوف الإسلام أن دائرة العروبة لا تطابق تمام المطابقة دائرة الإسلام، فقد كان من العرب نصارى وصابئة ويهود ومجوس، كما كان من المسلمين ترك وعجم وغيرهم. ولكن العامل المشترك بينهم جميعا، سواء أكانوا مسلمين أم أصحاب ديانات أخرى غير الإسلام، وسواء أكانوا عربا أم من أجناس أخرى غير عربية، هو اصطناعهم اللغة العربية أداة للتعبير عن الفلسفة، بعد أن كانت مدونة باليونانية أو السريانية أو الفارسية أو الهندية. ولقد كتب كثير من اليهود والنصارى والصابئة مؤلفات باللسان العربي بعد انتشار الإسلام، ولم يقل أحد إن أي واحد منهم هو فيلسوف العرب. وكذلك لم ينعت أحد من الفلاسفة المسلمين، كالفارابي والرئيس ابن سينا وابن رشد، بأنه فيلسوف العرب، وإنما جرت الأقلام على أنهم فلاسفة إسلاميون.

ونحب أن نشير هنا إلى أن الفلسفة في مفهومها القديم لم تكن تؤخذ بمعناها الذي نعهده في العصر الحاضر، فقد كان المقصود العلم على وجه العموم، فكانت تشمل علم الكلام والمنطق والرياضة والهندسة والفلك والعلوم الطبيعية والموسيقى والطب وعلم الحكم والسياسة والكيمياء، إلى غير ذلك من العلوم. وكان الكندي ضليعا في شتى العلوم، متعمقا في دراستها، فحق له أن يدرج في عداد الفلاسفة، وأن تكون له عند الخلفاء منزلة رفيعة لا تكاد تدانيها منزلة، فكان مقربا إلى الخليفة المأمون، ١٩٧-٢١٨هـ، وإلى المعتصم، ٢١٨-٢٢٧هـ، وابنه أحمد.

ولقد بلغ من إقباله على العلم وإحاطته بشتى أبوابه أن قاربت مؤلفاته ٢٥٠ كتابا، وإن كان بعضها ليس في الحجم المألوف للكتب، وإنما مجرد رسائل مطولة موجهة إلى الخلفاء أو إلى بعض تلاميذه، يتناول فيها بالشرح موضوعا معينا. وقد طرق في هذه المؤلفات العديد من وجوه العلم، كالطب والرياضة والمنطق والفلسفة والفلك والهندسة والنجوم والجدل وعلم الكلام والسياسة وعلم النفس، وغير ذلك. ولقد بدأ الكندي حياته مترجما ينقل ما كتبه فلاسفة الإغريق، ومنهم أرسطو، وغير هؤلاء. على أنه لم يكن مترجما بالمعنى الحرفي، وإنما كان يلخص الأصل الأجنبي في أغلب الأحوال، ويشرحه وينقده ويحشر فيه آراءه. كما كان يعهد إلى بعض المترجمين بترجمة ما يريد، ثم يراجع ما ترجموا، ويدخل عليه شروحه وتعليقاته. ثم تنحى عن الترجمة، وانكب على العلم ينهل منه حتى استوى في منزلة الفلاسفة.

ولقد كانت العلوم في ذلك العهد وقفا على نصارى السريان، إلى أن اقتحم الكندي الميدان، وقد برع في الطب براعة لا نظير لها، ولكن المسلمين لم يكونوا يثقون في الطبيب المسلم، وإنما يلجأون عند مرضهم إلى الأطباء من السريان.

وثمة حكاية طريفة تروى عن الكندي في هذا الصدد، فقد كان إلى جوار بيته تاجر من كبار الأثرياء عهد إلى ابنه بشؤون تجارته، ثم حدث أن نزل بالفتى مرض شديد لم يعد يقوى معه على الكلام، ووقع الأب في حيرة شديدة إذ لم يكن يعرف من أمر تجارته وأمواله شيئا، ولا يعرف من الدائن ومن المدين، وكم يتقاضى من هذا أو يدفع إلى ذاك. واستنجد التاجر بأكبر أطباء السريان، فباءوا جميعا بالفشل، وأشرف الفتى على الموت، فقال صديق للتاجر ينصحه: إن جارك اسمه يعقوب الكندي طبيب قدير، فلم لا تدعوه لعيادة ابنك؟ وجاء الكندي ففحص الفتى، ثم أمر بإحضار أربعة من تلاميذه ممن يحذقون ضرب العود، وشرح لهم طريقة معينة في العزف، وأمرهم أن يجلسوا في غرفة المريض، وأن يمضوا في العزف بالعود، والكندي ممسك برسغ الفتى يقيس نبضه. واشتد النبض، وانتظمت أنفاس الفتى، وبدأ يتحرك، وبدا عليه الانتعاش، ثم أخذ يتكلم. وقال الكندي للأب: عجل وسل ابنك عما تريد من شؤون أموالك، فإنه لا يلبث أن يغيب عن وعيه وتقضي عليه علته. وأقبل الأب على ابنه يسأله، ويدون إجاباته، إلى أن عاودته الغيبوبة ومات.

ونخرج من هذه القصة بأمرين: أولهما أن الكندي كان طبيبا فذا لا يعلو إلى مكانته حتى السريان الذين دانت لهم الشهرة في الطب، وثانيهما أن الكندي سبق أطباء العصر الحديث بعدة قرون إلى معرفة أثر الموسيقى في العلاج. فإذا جاء أطباء أوروبا وأمريكا اليوم يقولون إن الموسيقى تشفي بعض الأمراض، فلنقل لهم إن الكندي فعل هذا في القرن الثالث الهجري.

وبرع الكندي في الرياضة براعة لا نظير لها، فاستطاع أن يقيم الدليل بالبراهين الرياضية على وحدانية الله، وأن خالق الكون إله واحد، في حين كانت هذه البراهين منطقية من قبل.

أما عن الفلك فقد أقرت له أوروبا بالأستاذية، واعتبرته أحد كبار الفلكيين في العالم. ويلاحظ هنا أن الفلك في تلك الأيام كان يجري طبقا لأسلوب الهنود أو أسلوب بطليموس، ولكن الكندي لم يأخذ لا بهذه النظرية ولا بتلك، وإنما ابتدع نظرية جديدة بتطوير أسلوبي الهند وبطليموس.

وحسبنا عند الكلام على الموسيقى أن نشير إلى أن الكندي كان أول من وضع قواعد علم الموسيقى، وتطور بعد ذلك على يد الفارابي وابن سينا حتى أصبح علما بمعنى الكلمة. وليس معنى هذا أن الكندي ابتدع هذا العلم، فقد كانت له أصول ونظريات عند قدماء المصريين واليونانيين والفرس، ولكنه طبق التراث اليوناني على الموسيقى العربية بما يتلاءم والذوق العربي في الغناء، وما يستخدمونه من آلات، فوضع الأصول النظرية التي يبنى عليها أنواع الغناء والألحان الموسيقية. والسلم الموسيقي عند الكندي هو نفسه سلم الموسيقى العربية حتى اليوم، والمشتمل على اثنتي عشرة نغمة.

وكذلك كان الكندي بارعا في الكيمياء، فألف كتابين عن العطر وأنواعه وصناعته، وكتابا ثالثا عن خدع الكيميائيين. وذلك أن أهل هذا العلم كانوا يعتقدون أنه يمكن إنتاج الذهب من المعادن الخسيسة كالرصاص والزئبق، في حين كان الكندي ينكر عليهم هذا، ويقول باستحالته، وحتى عصرنا هذا عجز العلماء عن إنتاج الذهب من المعادن الأخرى الرخيصة.

وخلاصة القول إن الكندي كان عالما واسع الاطلاع، طرق ما لا يقل عن العشرين من شتى العلوم، وألف فيها قرابة مائتين وخمسين كتابا، وخرج على الناس بنظريات جديدة أو بتطوير للنظريات القديمة، حتى أصبحت مؤلفاته مرجعا يعتد به، وكان الناس على حق حين لقبوه في زمانه بفيلسوف الإسلام والعرب.
المصدر: مجلة تان تان
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة