بلاد جميلة، «أرض اللبن والشهد»، قيل عنها جنة عدن، إنها مدينة بابل، العراق حاليا، العريقة، مركز حضارة عظيمة ازدهرت منذ ٤٥٠٠ سنة ق.م. انطلقت صرخة حراس أبراج المراقبة عام ٤٧٩ ق.م مدوية: «احذروا!». وحدق الجميع النظر في قلق، وإذا بحشود فارسية تقبل من بعد لحصار بابل واقتحامها.
كانت بابل تتمتع بمكانة مرموقة، وقدر كبير من القوة في عهد حمورابي ونبوخذ نصر، ولكن وهنت هذه القوة الآن، وغدت البلاد تعتمد على أسوارها العالية وبواباتها النحاسية الضخمة لحمايتها من العدوان والغزو. وعبر التاريخ، اقتحمت بابل وهزمت ودمرت مرات عدة، ولكنها كانت تتمكن في كل مرة من المقاومة واستعادة مكانتها المرموقة.
أما العدوان الفارسي عام ٤٧٩ ق.م، فقد بث الرعب والذعر في قلوب أهل بابل، ويرجع السبب في ذلك إلى أنهم كانوا يواجهون هذه المرة إكزرسيس، ملك الفرس الذي سبقته سمعته كرجل قاس لا يعرف الشفقة حتى مع رجاله، فما بالهم إذن بمعاملته لأعدائه؟ ولكن أهل المدينة اطمأنوا إلى أسوارها السميكة وأبراجها الحصينة والخندق المنيع.
وفي ذات يوم، وبعد مضي عشرة أشهر على بدء الحصار الفارسي لمدينة بابل، شاهد الحراس من أبراج المراقبة فارسا يفد من المعسكر الفارسي، ويتجه إلى المدينة، وهو ينظر خلفه في قلق شديد. عندئذ قال أحد البابليين: «إنه هارب بلا ريب». ولكنه لم يكن هاربا عاديا، وقد وضح ذلك عندما اقترب من أسوار المدينة مرتديا ملابس النبلاء المزركشة.
وتحت مراقبة الجنود المسلحين، سمح للفارس الغريب بدخول المدينة، وفي هذه اللحظة تراجع الجميع في فزع، فقد كان الرجل بلا آذان، وبلا أنف، وفي مكان أنفه جرح قبيح، أما شعره فقد نزعت منه أجزاء بوحشية. وعندما مثل أمام شيوخ بابل، سرد الفارس قصته بصوت تشوبه مرارة حقيقية، فقال: «اسمي زوبيروس، وأنا واحد من أمراء فارس النبلاء، وهذه الجروح والتشوهات التي ترونها في وجهي إنما هي نتيجة نصيحتي لملكي إكزرسيس بألا يقدم على هذا الحصار الذي لا جدوى منه».
واستطرد زوبيروس بحرارة: «والآن أريد الثأر! فأنا على علم بكل خطط إكزرسيس الحربية، وأريد استعمالها ضده». وفي الحال عرض الفارس خدماته وخبرته العسكرية على أهل بابل في الحرب ضد الفرس.
ولم تمض مدة وجيزة حتى وضعت مجموعة كبيرة من المقاتلين المدربين تحت تصرف زوبيروس، الذي كان مدفوعا بكرهه العظيم لملكه، إلى جانب خبرته العسكرية الواسعة. وكان من الواضح أن زوبيروس سيكون بمثابة شوكة مؤلمة في ظهر قوات الحصار الفارسية.
وبعد عشرة أيام من دخوله بابل، قاد الرجل قوة شن بها هجوما قويا على الجيش الفارسي، وتمكن من الانتصار عليه، مخلفا وراءه في ساحة القتال ألف قتيل. وبعد مضي بضعة أيام، شن زوبيروس هجوما آخر، وتمكن مرة أخرى من إحراز النصر، وقتل ما يزيد على ٢٠٠٠ من الفرس. وكان أهل بابل في حالة ذهول، فبعد مضي ٢٠ يوما أخرى تمكن زوبيروس من شن هجوم ثالث قتل فيه ٤٠٠٠ فارسي.
هلل البابليون فرحين لسير الأمور، لأنها إذا استمرت على هذا المنوال، فإن الحصار سيرفع عن المدينة، وستباد جيوش الأعداء شر إبادة. وعرفانا بالجميل، جعل البابليون زوبيروس القائد الأعلى للجيش، ووضعت جميع تحصينات المدينة الضخمة تحت إمرته.
وبعد مضي ثلاثة أسابيع، شاهد الحراس من أبراج المراقبة حشودا من الجيش الفارسي تتقدم نحو المدينة، فظن البابليون أن الفرس يقومون بمحاولة انتحارية يائسة للاستيلاء على المدينة، بعد أن تكبدوا خسائر جسيمة في معاركهم ضد زوبيروس. وعندما بدأ القتال، لم يلحظ أحد أن زوبيروس قد اختفى، وإذا به، وبسرعة، يفتح كل أبواب المدينة لتتدفق منها الجيوش الفارسية داخل بابل.
واكتشف أهل بابل الخيانة بعد فوات الأوان، وتمكن الفرس من اقتحام المدينة والاستيلاء عليها. وقام بعد ذلك إكزرسيس بتهنئة أخلص قواده وأكثرهم وفاء له، ونعني به زوبيروس. فقد اتفق الملك والقائد على هذه الخطة منذ وقت طويل، وشوه زوبيروس وجهه حتى يصدق أهل بابل قصته. أما بالنسبة للفرس الذين قضى عليهم في الحرب، فكانوا في الواقع مجموعات من الأسرى، خيروا بين القتال أو الموت.
قال المؤرخ هيرودوت عن بابل إنها أعظم مدن الدنيا، وكان ذلك قبيل الغزو الفارسي بفترة قصيرة. وبعد استيلاء الفرس عليها، حطم إكزرسيس أسوار بابل المتبقية، وأزال بواباتها النحاسية الجميلة.
لقد انتهت حضارة عريقة تبلغ من العمر ٤٠٠٠ سنة، وكان ذلك بسبب أذنين مفقودتين، وأنف مجدوع.