يبرز جبل طارق من اليابسة الإسبانية إلى البحر المتوسط مثل البارجة البيضاء الضخمة، ولا غرو، فإن له تاريخا حافلا تفخر به أي سفينة حربية. وقد حوصر الجبل أربع عشرة مرة منذ أن تدفق إليه العرب والبربر في عام ٧١١م، وأطلقوا عليه اسم جبل طارق، على اسم قائدهم طارق بن زياد.
والجدير بالذكر أن أيادي عديدة تعاقبت على هذا الجبل، وحتى الآن فإن وضعه كجزء من الممتلكات البريطانية يسبب مشاكل سياسية. يبلغ جبل طارق من الطول أربعة كيلومترات، وعرضه أقل من كيلومتر، ولكن نظرا لموقعه الجغرافي الممتاز، فإن الدولة التي تسيطر على هذا الجبل تتحكم في تجارة البحر المتوسط.
وقد انتزعت بريطانيا هذا الجبل في حرب الوراثة الإسبانية من أيدي الإسبان عام ١٧٠٤م. وتمكن الأميرال جورج روك، قائد قوات التحالف الأنجلو-هولندي، من إجبار الحامية الإسبانية على الفرار والتسليم. وبمعاهدة «أوترخت» التي أنهت الحرب في عام ١٧١٣م، أصبح جبل طارق ملكا لبريطانيا.
وبالرغم من هذا، فإن إسبانيا لم تيأس، وترقبتها أوروبا وهي تستعد لاسترداد الجبل. وبدأ الحصار الإسباني العظيم في عام ١٧٧٩م، واستمر حوالي أربع سنوات. ولأن كل المؤن والسلاح كانت تصل إلى جبل طارق عن طريق البحر، فإن الإسبان وحلفاءهم الفرنسيين ضربوا حصارا بحريا حول الجبل، بهدف القضاء على الحامية الإنجليزية هناك. وفعلا، عانت الحامية كثيرا من هذا الحصار، حتى إنها أكلت الأعشاب، إلى أن تمكنت إحدى سفن الإغاثة البريطانية من اختراق الحصار. ومر عام كامل قبل أن تصل سفينة أخرى، وكان عاما طويلا شاقا، شح فيه الغذاء وتفشى فيه المرض.
وكانت ذروة الحصار عندما حفر الإنجليز أنفاقا داخل الجبل، صوبوا من خلالها المدافع على سفن العدو، وألقوا عليها القنابل المتوهجة، التي سرعان ما أشعلت النار في الأسطول وحطمته. وبذلك تمكنت بريطانيا في النهاية من تشديد قبضتها على الجبل.
والآن، ومنذ أن انتهت العمليات العسكرية في جبل طارق، فقد أصبح منطقة سياحية جذابة. وأكثر ما يجذب الانتباه هناك نوع من القردة البرية، وهي الوحيدة من نوعها الباقية في أوروبا. وتقول الأسطورة إنه ما دامت تلك القردة موجودة في جبل طارق، فإن بريطانيا ستظل متحكمة فيه. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أعداد القردة صغيرة، أمر ونستون تشرشل بإحضار المزيد منها من المغرب.