الجهاز العصبي للإنسان
الجهاز العصبي للإنسان
إذا كان الإنسان يمثل أعلى درجة من سلم النشوء والارتقاء، فإن ذلك راجع إلى سبب قوي واحد على الأقل، وهو أن الجهاز العصبي في البشر أشد تعقيدا بالنسبة لجسم الإنسان منه في جميع ما يعيش على وجه الأرض من حيوان. والجهاز العصبي للإنسان هو آيته الكبرى على سموه كسلالة فوق باقي السلالات.

ومن الغريب أن الدماغ بصفة عامة قد أغفل ذكره كمستقر للحياة، أو بوصفه العضو المدير لجسم الإنسان، خلال قرون عديدة، مع أنه من بين أعضاء الجسم البشري كافة هو العضو الوحيد الذي يكبر نظائره نسبيا في سائر الحيوان. بيد أن المخ ليس عضوا متحركا كالقلب، ولا زاخرا بالدم كالكبد أو الطحال، وفوق ذلك فهو عضو منعزل يستتر وراء سور مغلق من العظام.

وكان أرسطو، وهو من أشهر المفكرين القدامى، يؤمن بأن الدماغ إنما خلق لتبريد الدم الساخن الذي يمر فيه. ولم يعرف المفهوم الحديث للدماغ كمستقر للفكر، وكمستقبل للأحاسيس ومسيطر على الحركات عن طريق الأعصاب، إلا في القرن الثامن عشر.

وفي نهاية القرن التاسع عشر نال الجهاز العصبي حقه، بل أكثر من حقه في الواقع، واعترف بهذا الجهاز كشبكة منظمة للجسم. وكان من السهل إدراك هذا المفهوم في ذلك الوقت، لأن البشر بدأوا يتعودون استعمال الدوائر الكهربائية المعقدة، وبدت لهم أعصاب الجسم شديدة الشبه بأسلاك دائرة من هذه الدوائر.

والجهاز العصبي المركزي، أي الدماغ والنخاع الشوكي، هو بالتأكيد أمنع مكان في الجسم. ففقرات السلسلة العظمية الظهرية هي في جوهرها حلقات عظمية يرتبط بعضها ببعض بغضاريف، وفي وسطها، وتحت حمايتها، يجري النخاع الشوكي. وفي أعلى مكان من العنق يمر النخاع في ثقب عظيم بقاع الجمجمة، وهناك يتحول إلى دماغ. ويحيط بالدماغ عظم الجمجمة القوي الكثيف إحاطة تكفل له الأمان.

والدماغ والنخاع الشوكي محوطان بسلسلة من الأغشية تسمى «السحايا». والغشاء الخارجي منها يسمى «الأم الجافية»، وهي جافة صلبة في الواقع، أما الغشاء الداخلي فيسمى «الأم الحنون». وتمتد من الأم الجافية حواش إلى بعض الشقوق الكبرى بالجهاز العصبي المركزي. وتمتد حاشية منها امتدادا سفليا إلى الأخدود العميق الذي يقسم كرة المخ إلى نصفين، أيمن وأيسر، وتمتد حاشية أخرى إلى الأخدود الفاصل بين المخ والمخيخ. والأم الحنون غشاء رخو رقيق، يغلف الدماغ والنخاع الشوكي تماما. وبين الأم الجافية والأم الحنون يوجد «الغشاء العنكبوتي»، الذي سمي كذلك لما في نسيجه من الرقة البالغة. والتهاب هذه الأغشية، من عدوى البكتيريا أو الفيروسات في العادة، يسمى «التهاب السحايا».

وقد كان التهاب السحايا البكتيري بصفة خاصة مرضا من أخطر الأمراض قبل العصر الحديث لمضادات الجراثيم. وبين الغشاء العنكبوتي والأم الحنون يوجد «السائل الدماغي الشوكي»، الذي يحمي الدماغ عن طريق المساعدة على مضادة فعل الجاذبية. ويلعب السائل دور العوامة، وكأن المخ يعوم في سائل. كما أن هذا السائل يضاد فعل القصور الذاتي، وإذا التوت الجمجمة التواء مفاجئا، ولو لم تحدث رضوض في الدماغ، فإن ذلك يؤدي إلى إيذاء الأعصاب والأوردة، حين يتخلف الدماغ بفعل قصوره الذاتي عن اللحاق بالرأس الملتوي، وقد ينتهي ذلك بغيبوبة، وربما انتهى بالموت، وهذه الحالة تسمى «ارتجاج المخ».

ويستهلك الدماغ مقدارا كبيرا من الأكسجين في تأدية أعماله. وفي الجسم المستريح يستنفد الدماغ في الواقع ربع ما يستهلكه الجسم بأجمعه من الأكسجين، وإن وزنه لا يزيد على واحد من خمسين من وزن الجسم كله. واستهلاك الأكسجين في الدماغ يشمل أكسدة الجلوكوز الذي يأتي به الدم إلى الدماغ. والدماغ مرهف الحساسية لأي قصور في الأكسجين أو في الجلوكوز، ويؤذيه مثل هذا القصور أسرع مما يؤذي أي نسيج آخر. وعلى ذلك فإن مجرى الدم في الدماغ يستلزم سيطرة واعية من الجسم، بحيث يقل تأثره بالتقلبات التي يتعرض لها مجراه في سائر أعضاء البدن. وفوق ذلك، فإنه وإن كان من السهل توسيع الأوعية الدموية في الدماغ باستعمال الأدوية، إلا أنه من المستحيل تضييقها إلى الحد الذي تنقطع فيه جراية الدم عن الدماغ.

والجهاز العصبي المركزي في الرجل يزن حوالي ١٤٨٠ جراما، ويزن النخاع الشوكي منها حوالي ٥٠٠ جرام فقط. والمخ هو أعلى مكان في الدماغ، وأحدث جزء منه في النشوء، وهو يؤلف خمسة أسداس الوزن الكلي للدماغ.
المصدر: مجلة تان تان
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة