مرت المسيرة الضخمة، وهي تضم ٢٠,٠٠٠ عامل، بقيادة الأب جابون في شوارع مدينة سانت بطرسبرج، متجهة إلى قصر القيصر الشتوي، لعرض مطالب الشعب الخاصة بطلب الزيادة في الأجور وتحسين ظروف العمل.
ولكن عندما دخلت جموع الشعب الأعزل، ووجهت بفوهات البنادق المصوبة، وأمر أحد ضباط القصر المسيرة بالتوقف. وهنا تقدم نحوه الأب جابون قائلا: «إن للقيصر أن يطمئن، فنحن نأتي في سلام». وبالفعل أخذت المسيرة في التقدم، والشعب عازم على تقديم مطالبه للحاكم. وفجأة، فتحت النيران على هذا الحائط البشري، فكانت مذبحة مروعة، قتل فيها أكثر من ٥٠٠ شخص، وأصيب الآلاف.
الثاني والعشرون من يناير ١٩٠٥ تاريخ مشهود، فإن نيران «الأحد الدامي»، كما سمي هذا اليوم، كانت الشرارة التي آذنت بسقوط القيصرية، وقيام ثورة عظيمة لم تغير روسيا فقط، بل غيرت وجه التاريخ.
كانت روسيا خاضعة لنظام القياصرة على مدى ٣٠٠ عام، وكانت للقيصر السلطة المطلقة في البلاد، فهو الذي يسن القوانين، ويعين الموظفين، ويفرض الضرائب ويجمعها.
ظهرت في العصر الوسيط فئة من النبلاء، تمكنت من امتلاك المساحات الشاسعة من الأراضي، والعيش عيشة بذخ وترف، بينما يعاني سواد الشعب الروسي من الفقر المدقع.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، ثارت بعض العناصر المتعلمة ضد نظام الحكم. ونظم هؤلاء أنفسهم في جماعات سرية، تعمل على الإطاحة بالقيصر، وتدبر ثورة شاملة.
ومن هؤلاء الثوار «فلاديمير إيليتش أوليانوف»، الذي عرفه العالم بعد ذلك باسم «لينين». ولد أوليانوف عام ١٨٧٠ في أسرة من الطبقة المتوسطة، فوالده موظف حكومي ميسور الحال.
وعندما كان طالبا في كلية الحقوق، دأب أوليانوف على قراءة واستيعاب جميع كتابات كارل ماركس، وهو الألماني الذي أرسى قواعد الفكر الشيوعي كما نعرفها الآن: الملكية الجماعية تحت نظام الحزب الواحد.
وبعد مقتل أخيه «ساشا» بتهمة التآمر للإطاحة بالقيصر ألكسندر الثالث، اتخذه أوليانوف مثله الأعلى، وأصبح في سن السابعة عشرة ثوريا مخلصا. وبالفعل انضم إلى جماعة ماركسية سرية، وغدا من الرجال الذين يطاردهم البوليس السري. ومن هنا اتخذ أوليانوف اسم نيكولاي لينين.
كان لينين رجلا عادي المنظر، له لحية مدببة، وشعر خفيف يقارب الصلع. ولكنه كان يتمتع بعقل جبار، وقدرة فذة على الحديث المقنع، والتنظيم، والتخطيط المدروس. أما في معاملة معارضيه فكان لينين غاية في القسوة والغلظة.
كانت الأوخرانا، منظمة البوليس السري، تطارده دائما. وفي إحدى المرات، تمكن من الإفلات منها بحلق لحيته، وارتداء باروكة صفراء اللون. وأخيرا، نفي لينين إلى الخارج، حيث عمل دائباً على الإعداد لثورة شاملة تجتاح البلاد، أو تطيح بالقياصرة الطغاة. وكتب مقالات مشتعلة تحث على الثورة، ورأس تحرير صحف سياسية كثيرة. وكان طوال هذه المدة على اتصال وثيق بالثوار في أرض الوطن.
ثم جاء يوم الثاني والعشرين من يناير عام ١٩٠٥، يوم «الأحد الدامي»، وكانت المذبحة المروعة التي فجرت سلسلة من المظاهرات والإضرابات في أنحاء روسيا. فمثلا، تمرد بحارة البارجة «بوتمكين» احتجاجا على ظروف العمل القاسية. وعلى الرغم من إحباط القيصر كل هذه الانتفاضات، إلا أن الشرارة استمرت في الاندلاع، حتى فجرت في النهاية الثورة العظيمة.
ولقد قال لينين إن يوم «الأحد الدامي» هو بمثابة التجربة النهائية للثورة الحقيقية. ولكن الثورة لم تنشب إلا بعد اثني عشر عاما من هذا التاريخ.
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، تحالف القيصر نيكولاي الثاني مع فرنسا وبريطانيا ضد ألمانيا والنمسا. وعلى الرغم من التفوق العددي للجيش الروسي، إلا أن ضعف قيادته ومعداته كبدته خسائر ضخمة في الأرواح، وبدأ الكثير من الجنود في الهروب من الخدمة العسكرية وترك الجيش.
ومع ظروف الحرب، زادت الأحوال سوءا في روسيا، فقد أرهقت وطأة الحرب كاهل الشعب الجائع، وتصاعد الشعور بالتذمر والضجر في كل مكان، وكانت البلاد مستعدة للثورة. لكن القيصر لم يستمع إلى نداء شعبه، ولم يكترث بنذر الخطر التي كانت تشير إلى انفجار لا ريب فيه.
وفي مارس من عام ١٩١٧، نظم العمال إضرابات ضخمة في مدينة سانت بطرسبرج، كما قامت المظاهرات في المدن الأخرى، وصدرت الأوامر للجيش بفتح النيران على الشعب، ولكن الجنود أبوا إطاعة قوادهم هذه المرة. فقد اندلعت شرارة الثورة العظيمة، وانتشرت بسرعة مذهلة في جميع أنحاء البلاد. وكانت تلك هي اللحظة التي انتظرها لينين طويلا، فعاد من منفاه، لينظم الثوار ويقود الشعب.
وقد حددت إقامة القيصر، وأرغم على التنحي عن العرش، وتولت الحكم وزارة مؤقتة يرأسها «ألكسندر كيرنسكي». ولكن لم يتفق لينين وكيرنسكي، وبدأ يدب بينهما النزاع على السلطة. وفي فترة وجيزة تمكن لينين وحزبه، «البولشفيون»، من نفي كيرنسكي والقبض على زمام الأمور في روسيا.
أما عن الحرب، فقد أبرم الصلح مع ألمانيا. ولكن روسيا كانت ما تزال تعيش حربا أهلية شعواء بين الجيش الأحمر الشيوعي والجيش الأبيض الموالي للقيصر. وقد قتل الجيش الأحمر القيصر وأسرته عام ١٩١٨.
وانتهى الصراع عام ١٩٢٠ بانتصار الجيش الأحمر والبولشفيين، وأصبح لينين زعيم روسيا الشيوعية دون منازع. وبعد مرور أربع سنين، مات لينين بسبب الإجهاد في سن الثالثة والخمسين.
ولتكريمه سميت مدينة سانت بطرسبرج، مهد الثورة، باسمه، وهي الآن لينينجراد. واليوم، يرقد جثمان لينين في تابوت خشبي بالميدان الأحمر بموسكو، وهو أكبر ميادين العاصمة، حيث يزوره آلاف من الناس كل عام، ليتأملوا الرجل الذي صنع روسيا الحديثة.