تتألف الطبقة الخارجية للمخ من أجسام خلوية رمادية اللون، تؤلف أكثر المادة السنجابية في الدماغ، وهذه الطبقة الخارجية تسمى «القشرة المخية». ويوجد في القشرة المخية حوالي عشرة بلايين من الخلايا العصبية، كما يوجد في المخ مائة بليون من الخلايا الغروية. وكل خلية من الخلايا العصبية قادرة على ممارسة جميع التغيرات الكيميائية والكهربائية التي تقترن بنقل الانبعاثات العصبية. ومثل هذه الخلايا الخاصة لا تنقل انبعاثا عصبيا إلا إذا نبهت، ولا تعاني تغيرات في جهدها الكهربائي الكامن إلا في هذه الأحوال. بيد أنه لا تمضي لحظة دون أن يكون عدد لا بأس به من البلايين العشرة من هذه الخلايا في حالة إطلاق لشحناته. وعلى ذلك فإن المخ بأسره يكون نشطا على الدوام، ويكون في كل الأوقات، سواء أكان صاحبه نائما أم مستيقظا، منبعا لشحنات كهربائية مختلفة في الإنسان وسواه من الحيوان. ولقد كان أول اكتشاف لهذه الشحنات سنة ١٨٧٥. وفي سنة ١٩٢٤ وضع الطبيب النفساني النمساوي هانز برجر قطبين كهربائيين على فروة الرأس البشرية، ووجد أنه يستطيع، باستعمال جلفانومتر، أن يكتشف الجهود الكهربائية للدماغ ببعض الصعوبة. ومنذ هذا التاريخ أدى استعمال أنواع أرقى من الأجهزة إلى جعل قياس هذه التيارات شيئا عاديا يجري كل يوم. وهذا الإجراء يسمى «الرسم الكهربائي للدماغ»، كما أن التسجيل التخطيطي للجهود الكهربائية المتذبذبة يسمى «المخطط الكهربائي للدماغ».
والمخطط الكهربائي للدماغ يمد علماء الفسيولوجيا بكثير من المعلومات المشوقة، وإن لم يصلوا إلى ترجمة أغلبها حتى الآن. فقد وجدوا فيها مثلا فروقا تتعلق بالسن، إذ يمكن اكتشاف الأمواج الدماغية في الجنين، وإن كان جهدها الكهربائي في هذه الحالة شديد البطء والضآلة. ويتزايد تغيرها مع السن، ولكنها لا تبلغ أقصى مدى لخصائصها في البالغين إلا حين الوصول إلى سن السابعة عشرة. ثم هناك تغيرات في الأمواج الدماغية ترتبط بمراحل النوم واليقظة المختلفة، بما فيها التغيرات التي تحدث في الأحلام، وتظهر بوضوح شديد حينئذ أمواج واضحة الإيقاع مصحوبة بحركات متواترة في العين.
كذلك فإن المخطط الكهربائي للدماغ يكون في بعض الأوقات ذا قيمة تشخيصية كبرى للطبيب. فمن الأمراض التي يفيد في اكتشافها أورام الدماغ، كما يفيد في دراسة مرض الصرع أو التشنج. والصرع علة تطلق فيها خلايا الدماغ شحنات من الكهرباء، في لحظات لا يمكن التكهن بها، ودون منبه من المنبهات التي تستلزم إطلاق مثل هذه الشحنات. وقد يكون مرجع هذه العلة إلى تلف يصيب الدماغ إبان الحمل أو الولادة أو أيام الرضاع، وكثيرا ما لا يعرف لها سبب. وتوجد في المناطق من المخ التي تلي القشرة تجمعات من المادة السنجابية، وتوجد منها كتلة تسمى «التخت». ويعمل التخت كمحطة استقبال للأحاسيس القادمة من الجسم، كاللمس والألم والحرارة والبرودة والحواس العضلية. وهو جزء مهم في الواقع من الجهاز الشبكي التنشيطي الذي يتقبل البيانات الحسية الواردة، ويصفيها، ويحجب في هذه التصفية الأحاسيس العنيفة منها، كالألم الشديد، والحرارة الشديدة الارتفاع، والبرودة الشديدة الانخفاض.
ويقع تحت التخت «الجسم تحت التختي»، وبهذا الجسم أجهزة متعددة منظمة للسيطرة على البدن. وبين أحدث هذه الأجهزة اكتشافا ما إذا نبه بعث شعورا قويا باللذة. فإذا مس قطب كهربائي «منطقة اللذة» هذه في فأر، ونظم الأمر بحيث يستطيع الفأر نفسه أن يحدث التنبيه، فإن الفأر قد يظل مستمرا على تنبيه ذاته ساعات أو أياما متواصلة، ناسيا كل شيء عن الطعام والجنس والنوم. ويوجد قسم من «الجسم تحت التختي» يهيمن على شهوة الجسم للطعام، كما يهيمن منظم الحرارة فيه على حرارة الجسد. ويمكن تسمية هذا القسم «منظم الشهوة للطعام». ولقد اكتشف وجود هذا المنظم حين وجد أن حيوانات التجارب بدأت تأكل بشراهة وتسمن سمنة مروعة بعد تدمير تلك المنطقة من الجسم تحت التختي. وهناك رأي فسيولوجي يقول إن منظم شهوة الطعام لدى النهمين يكون مؤشره مثبتا على درجة مرتفعة، فيدركهم الجوع بسرعة، ويظلون جياعا إلى أمد طويل. وهناك رأي أحدث هو أن هناك مركزين للهيمنة على شهوة الطعام، لا مركزا واحدا، أحدهما يفتح الشهوة، والثاني يسدها، وأن هذا المركز الأخير يسوء أداؤه لوظيفته في البدينين من الناس.