توغل هنري موهو، عالم الطبيعيات الفرنسي، داخل أدغال كمبوديا بحثا عن الحشرات النادرة، ولكنه عثر على مدينة مفقودة: مدينة أنجكور ثوم الغامضة Angkor Thom.
وقد قام باكتشافه العظيم هذا عام ١٨٦١. ومنذ ذلك الحين، ومدينة أنجكور ثوم تفتن العالم وتثير اهتمامه. ذلك أن موهو عثر على مدينة عجيبة خالية من السكان، يجوب في شوارعها الحيوان، وتهمهم القردة في مبانيها، وتعشش الطيور داخل تماثيلها الضخمة. وفي كل مكان، تزحف الغابات الكثيفة لتحتوي المدينة وتطويها في أعماقها.
كان من الواضح أن مدينة أنجكور ثوم ظلت خالية من السكان لقرون طوال. ولكن من شيد هذه المدينة؟ ولم هجر هذا المكان الخلاب؟ راودت هذه التساؤلات الكثير من علماء الآثار البارزين، واجتذبتهم إلى تلك البقعة النائمة في أحراش كمبوديا. وقد اكتشفت حقائق كثيرة، ولكن لا يزال الغموض يشوب الأمر بوجه عام.
كانت كمبوديا، بجنوب شرق آسيا، محط أنظار العالم بسبب الحروب التي اندلعت في فيتنام المجاورة، وامتدت آثارها حتى وصلت إلى كمبوديا نفسها. وقد خضعت كمبوديا منذ عام ١٨٦٣ حتى عام ١٩٥٣ لسيطرة الفرنسيين، الذين بدأوا عام ١٩٠٧ مهمة إنقاذ مدينة أنجكور ثوم من قبضة الأدغال الزاحفة عليها. وكانت تلك مهمة شاقة. والجدير بالذكر أن عملية إنقاذ المدينة وترميمها مستمرة حتى الآن.
وقد كانت أنجكور ثوم في الأوقات السالفة عاصمة إمبراطورية خيمر Khmer العظيمة، التي ازدهرت في القرنين التاسع والخامس عشر. وقيل إن جيش الإمبراطورية كان يتكون من مليون رجل و٢٠٠,٠٠٠ فيل محارب. وكانت أنجكور، في ذروة مجدها، أكبر مدن العالم في ذلك الحين، إذ بلغ عدد السكان بها ما يزيد على المليون نسمة، وهو رقم ضخم حينذاك، وبذلك تحدت روما في العظمة والفخامة.
وكان أعظم ملوك إمبراطورية خيمر على الإطلاق جيفارمان السابع Jayavarman VII، الذي قام بتطوير جزء كبير من المدينة. وقد اعتقد هذا الملك أنه الإله الحي بوذا، ومن ثم شيد عددا ضخما من المعابد، أهمها معبد بايون Bayon. وكان هذا المعبد يتكون من ٥٠ برجا تحتوي على حوالي ٢٠٠ وجه منحوت في الصخر، قيل إنها كانت كلها تمثل جيفارمان. كما وجدت تماثيل مماثلة للملك «العابد لنفسه» على طول الطريق المؤدي إلى المدينة. ولكن أروع مبنى في هذه المدينة الساحرة معبد اسمه أنجكور وات Angkor Wat، وهو بناء ضخم تتوجه خمسة أبراج في شكل ثمار الأناناس، يصل أكثرها ارتفاعا إلى ٧٢ مترا فوق سطح الأرض. والجدير بالذكر أن هذا المعبد، وهو أكبر مكان عبادة في العالم، إذ يغطي مساحة ٤٠٠ فدان، شيد أصلا كضريح للإله الهندوكي فيشنو Vishnu، واستولى عليه البوذيون فيما بعد.
ويعتبر المهندسون اليوم تصميم وبناء معبد أنجكور وات معجزة هندسية. فقد استقطعت كتل الحجر الرملي الضخمة، التي يصل متوسط وزن الكتلة منها إلى طن، من محجر على بعد ٤٠ كيلومترا من موقع المعبد، ونقلت حتى هناك بواسطة الأفيال، ورفعت هذه الكتل إلى مواقع شاهقة، ولكننا لا نعرف كيف حدث ذلك على وجه التحديد.
تزين جدران المعبد حفريات دقيقة تمثل الآلهة والشياطين، وتحكي الأساطير المختلفة. وتمكن العلماء، عن طريق هذه الصور المنحوتة في الصخر، من تتبع تاريخ إمبراطورية خيمر.
وعلى الرغم من أن هذه المدينة كانت تزخر بالكنوز والثروات في يوم ما، فإن موهو وغيره من علماء الآثار لم يعثروا على شيء منها. فقد اختفت كنوز المدينة باختفاء شعبها.
ولكن ماذا حدث لسكان أنجكور؟ هناك عدة نظريات في هذا الصدد. تقول إحداها إن شعب أنجكور، الذي ضاق ذرعا بويلات الحروب، ترك المدينة للغزاة من سكان سيام، ولم يعد إليها. وتقول نظرية ثانية إن وباء قاتلا اجتاح المدينة وقضى على سكانها أجمعين. ويعتقد فريق ثالث أن عدة آلاف من الرقيق قاموا بثورة عارمة قتلوا فيها سادتهم الخيمريين، وفروا هاربين بالغنائم. وتتفق كل هذه النظريات في أن مدينة أنجكور كانت خالية من السكان بحلول القرن الخامس عشر.
واليوم، فإن مدينة أنجكور ثوم تحيا من جديد، فهي مركز سياحي جذاب، ويعمل علماء الآثار في ترميم مبانيها، ويستخدم كثير من الكهنة البوذيين، بثيابهم الزعفرانية اللون، عددا كبيرا من معابد المدينة كمقابر قومية. وعندما عثر هنري موهو على مدينة أنجكور ثوم عام ١٨٦١، وجد الأدغال الزاحفة تحجب مباني وتماثيل في غاية الروعة والضخامة، وذلك على نقيض المنازل البسيطة الموجودة في كمبوديا اليوم.