بدأت حرب جنوب أفريقيا في أوائل هذا القرن بهجوم قوات ترانسفال، بقيادة الجنرال «كرونج»، على منطقة «مافكنج». وظلت الحامية الإنجليزية تحت الحصار لمدة ٢١٥ يومًا، وأخيرًا وصلت كتيبة بريطانية لإغاثة الحامية المحصورة، واستطارت الأخبار في أنحاء الإمبراطورية: «رفع الحصار عن مافكنج»، ورقصت الجماهير الفرحة طوال الليل في الشوارع مهللة بالنصر العظيم. وكان اسم بادن باول، قائد مافكنج المظفر، يتردد على كل لسان، فشجاعة هذا الرجل هي التي حافظت على الروح المعنوية للحامية طوال فترة الحصار.
وبالإضافة إلى انتصاراته في مافكنج، كان لبادن باول سجل مشرف عندما انضم إلى الفرقة الثالثة عشرة، التي أطلق عليها اسم «هوسرز» Hussars، واشترك في العمليات الحربية في كل من الهند وأفغانستان. وُلد روبرت ستيفنسون سميث بادن باول في لندن عام ١٨٥٧، وهو ابن أستاذ هندسة بجامعة أكسفورد. تلقى تعليمه في مدرسة شارتر هاوس، وعين ملازمًا للسرية رقم ١٣ في الهند، وكان يبلغ من العمر حينذاك التاسعة عشرة. وفي ذلك المكان عمل على تطوير عملية الكشف، وهي فرع مهم من فروع التدريب العسكري. كان بادن باول يؤمن إيمانًا عميقًا بالكشف، أي فن الحياة اعتمادًا على نتاج الأرض، والتنقيب عن المعلومات وجمعها من داخل خطوط العدو، وكانت هذه المهمة في الغالب من نصيب فرع صغير من فروع سلاح الفرسان.
وأدى اهتمامه بالكشف إلى تعيينه رئيس أركان حرب في حملة «ماتابل» في عامي ١٨٩٦ و١٨٩٧ في منطقة «الأشانتي» بقرب أفريقيا. وتلت ذلك حرب جنوب أفريقيا ومافكنج، حيث نال بادن باول شهرة واسعة، ووصل إلى رتبة ماجور جنرال. وكانت قيادة فرقة «نورثمبريان» البرية هي آخر منصب عسكري تولاه قبل اعتزاله في عام ١٩١٠. وعلى الرغم من أن تاريخه كان حافلًا وسجله مشرفًا، فإن بادن باول أبى أن يقنع بمجده القديم. وكان من نتائج تجاربه الواسعة في الجيش أنه شعر بافتقار الأولاد الإنجليز إلى اللياقة البدنية والتهذيب الذهني، وهما من ركائز تكوين الفرد الذي يستطيع أن يساهم بإيجابية في خدمة مجتمعه ووطنه، ومن هنا بدأت تتبلور في ذهنه فكرة الكشافة.
وفي سن الثالثة والخمسين، كانت حياته قد بدأت. فعندما كان يعمل في الجيش مفتشًا لسلاح الفرسان، ألّف عام ١٩٠٨ كتابًا عنوانه «الكشف للأولاد»، وفي هذا الكتاب وضع برنامجًا تدريبيًا للأولاد يمكنهم من العيش في جو من التعاون وسط الطبيعة. ولم يقتصر نشاط بادن باول على الحركة الكشفية للأولاد؛ فقد كوّن، بمعاونة شقيقته أجنس Agnes، حركة المرشدات للفتيات عام ١٩١٠، لتربية الروح المستقلة فيهن، مما يساعدهن على المضي في حياة قوامها الاعتماد على النفس وسرعة التصرف.
وقد قيل إن حركة الكشافة للأولاد بدأت برجل وجزيرة وكتاب. لقد عرفنا الرجل والكتاب، أما الجزيرة فكانت جزيرة «بروان سي» في خليج بول بدورست. فهناك أنشأ بادن باول معسكرًا تجريبيًا ليطبق فيه الأفكار التي وضعها في كتابه. وقد شجع الأولاد على تنظيم أنفسهم في مجموعات من ستة أو سبعة أفراد، تحت إشراف واحد منهم هو «قائد الدورية». وتعلموا أيضًا بعض فنون الكشف المفيدة، مثل الإرشاد، وربط العقد، والإسعافات الأولية. وثمة ما هو أهم من ذلك كله؛ فقد شجعوا على مراعاة قانون معاملات بسيط، وهو قانون الكشافة الشهير. وقد حقق المعسكر التجريبي في جزيرة «بروان سي» نجاحًا منقطع النظير، وكان ذلك إيذانًا بمولد حركة الكشافة العالمية.
وقد أسس بادن باول رابطة الكشافة عام ١٩٠٧، وكانت مؤسسة غير سياسية وغير عسكرية، هدفها الرئيسي تنمية القدرات البدنية والذهنية والأخلاقية لدى الأولاد. وفي خلال بضع سنوات، انتشر الكشف في جميع أنحاء العالم، باستثناء ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، بالإضافة إلى بلاد أوروبا الشرقية، حيث إن حركة الكشافة ممنوعة إلى يومنا هذا. وعلى الرغم من أن الكشافة حركة إنجليزية الأصل، فإنها وجدت جذورًا محلية في كل مكان. ومن هنا انهالت مظاهر التكريم على بادن باول، منها لقب بارون في عام ١٩٢١، ونبيل في عام ١٩٢٩، وعين أيضًا الحامي الأكبر لكتيبة الشرف في فرنسا عام ١٩٣٦، وكرمته دول أخرى مثل أفغانستان ولوكسمبورج. ولكن لا ريب أن أكثر أوقاته فخرًا واعتزازًا كان عندما لقب، في أول اجتماع دولي للكشافة، بلقب «زعيم الكشافة» أو «الكشاف الأكبر». لقد عمل اللورد بادن باول في سبيل الحركة التي أنشأها حتى وفاته في كينيا، وهو في الرابعة والثمانين من عمره.