الهيدروفيل.. القارب الطائر
الهيدروفيل.. القارب الطائر
الهيدروفيل قارب يطير على الماء بجناحين. ويعد هذا القارب الطائر بحق ثورة في التطويرات الجارية في مجال الهندسة البحرية منذ أن استخدم البخار لأول مرة في السفن. ويعرف جناحاه باسم «الجناحين المائيين» أو «الزعنفتين المائيتين»، وهما يتشابهان مع الجناحين الهوائيين للطائرة. وللهيدروفيل مجموعتان من الأجنحة: الأولى أمام مركز ثقل القارب، والثانية بالقرب من الرفاص.

وعندما ينطلق الهيدروفيل بسرعة بطيئة أو متوسطة، فإنه يعمل كما لو كان قاربًا عاديًا، أي يكون بدنه مغمورًا جزئيًا في الماء. وبمجرد أن يبدأ في الطيران على الماء بسرعة متزايدة، ينحرف الماء عن الأسطح العليا للجناحين، تمامًا كما ينحرف الهواء عن السطح العلوي لجناح الطائرة. ويتناقص ضغط الماء على الأسطح العليا، فيتسبب ذلك في إحداث «الرفع» lift. وكلما زاد الرفع زاد بروز مقدمة القارب وارتفاعه عن الماء حتى يطفو البدن كله، ويبدو بالكامل فوق الماء وكأنه يركض على جناحيه اللذين يتمثلان عندئذ كساقين. وعندما يبطئ من سرعته، يتزايد الضغط ثانية على الجناحين من أعلى، ويتلاشى الرفع تدريجيًا حتى ينغمر البدن مرة أخرى في الماء.

وعندما يكون البدن فوق الماء، فإنه يفلت من «الجر» drag الناتج عن الاحتكاك السطحي، ولا يتعرض لموج المياه المواجه لمقدمته. ومن ثم فإن الهيدروفيل يستطيع الانطلاق بسرعة تبلغ نحو ثلاثة أضعاف سرعة القارب العادي المماثل له في الحجم والقدرة. ولما كان البدن لا يتعرض لدوامات سطحية، فإن الركوب فيه يصبح مريحًا وسلسًا حتى في المياه المرتفعة غير الهادئة، إلا إذا كان الموج مرتفعًا بالقدر الذي لا يستطيع القارب الصمود له.

والتفكير في الهيدروفيل له قصة بدأت عام ١٨٨٧، عندما عرض أحد الفرنسيين نموذجًا لقارب ذي جناحين، غير أن أحدًا لم يهتم به. وبحلول عام ١٩٠٥، قدم أحد الإيطاليين قاربًا حقيقيًا، يعد الهيدروفيل الحالي تطويرًا له، وبلغت سرعته وقتئذ ٤٠ عقدة. وفي عام ١٩١٩، بنى العالم جراهام بل Graham Bell، مخترع التليفون، ومجموعة من معاونيه نوعًا من الهيدروفيل زنته طن، وبلغت سرعته ٧٠ عقدة. وبدأت التطويرات الحديثة للهيدروفيل في ألمانيا عام ١٩٣٠، وبحلول عام ١٩٤٥ تمكنت البحرية الألمانية من بناء تسعة أنواع مختلفة من الهيدروفيل. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تبنت إحدى الشركات السويسرية هذه التطويرات وتوصلت إلى نتائج باهرة، لدرجة أن معظم التصميمات الحالية للهيدروفيل مبنية على تصميمات تلك الشركة.

والهيدروفيل يستخدم الآن لحمل الأفراد ونقلهم في كثير من أنهار وبحار العالم، وأقرب مثال على ذلك الهيدروفيل المستخدم في نهر النيل بين مدينة أسوان ومعبد أبو سمبل في جمهورية مصر العربية. كذلك تعمل وحدات هيدروفيل بين مدينتي جوركي وأوليانوفسك على نهر الفولجا بالاتحاد السوفييتي، وبين المدن الإيطالية الجنوبية وجزيرة صقلية، ولنقل السياح بين ميناء بيره في اليونان والجزر اليونانية في خليج سارونيك. وأبرز أنواع الهيدروفيل حاليًا الطراز السوفييتي «متيور» Meteor، الذي يحمل ١٥٠ فردًا وتبلغ سرعته ٤٠ عقدة، والطرازان الإيطاليان «سهم الشمس» Freccia del Sole و«سهم جاردا».

ويمكن في وقت الحرب استخدام الهيدروفيل في أغراض حربية عديدة، كمهاجمة الغواصات العادية والذرية؛ فهو يتميز بالسرعة والمرونة وحرية الحركة وسهولة المناورة، ويمكنه أن ينطلق وهو مغمور جزئيًا، أو يطير فوق الماء وهو مرتفع عنه. ومن المعتقد أنه يتفوق على المدمرات المألوفة وقوارب الدوريات والغواصات من حيث المناورة، وعدم اضطراره إلى تخفيض سرعته بشكل ملحوظ في المياه العالية كما تفعل المدمرات والقوارب الحربية. وقد يستخدم الهيدروفيل وسيلة نقل سريعة للقوات والمعدات الحربية إلى ميادين وخطوط القتال.
المصدر: مجلة تان تان
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة