تُعد قضية الأطفال المسروقين في إسبانيا من أكثر الملفات إيلاماً في تاريخ البلاد الحديث، إذ لا تزال آلاف العائلات تبحث عن الحقيقة بعد عقود طويلة من اختفاء أبنائها أو تبديل هوياتهم. وتعود جذور هذه القضية إلى حقبة حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو، الذي وصل إلى السلطة عام ١٩٣٩ بعد الحرب الأهلية الإسبانية.
بدأت القصة ضمن سياق أيديولوجي متشدد، تأثر بأفكار تبناها الطبيب النفسي الإسباني أنطونيو باييخو ناخيرا، الذي اعتقد أن أبناء اليساريين والجمهوريين قد يرثون أفكار آبائهم. وبحسب هذه النظرة، كان يمكن «إعادة تربيتهم» إذا فُصلوا عن أسرهم في سن مبكرة ووُضعوا داخل عائلات موالية للنظام.
ومع الوقت، تحولت هذه الممارسات إلى شبكة واسعة ضمت مستشفيات وأطباء وموظفين رسميين ورجال دين. كانت بعض الأمهات يُبلّغن بعد الولادة بأن أطفالهن توفوا، بينما تشير شهادات وتحقيقات لاحقة إلى أن كثيراً من هؤلاء الأطفال نُقلوا إلى عائلات أخرى، ومنحوا أسماء وهويات جديدة.
وفي عام ١٩٤٣ وحده، قُدّر عدد الأطفال المفقودين بنحو ١٢٠٠٠ طفل. لكن الظاهرة لم تتوقف مع انتهاء المرحلة الأولى من حكم فرانكو، بل استمرت وفق اتهامات وتحقيقات لعقود لاحقة، حتى بعد وفاته. وتتحدث بعض التقديرات عن أكثر من ٥٠٠٠٠ طفل انتُزعوا من عائلاتهم، بينما ترفع تقديرات أخرى العدد إلى نحو ٣٠٠٠٠٠ طفل، وهي أرقام لا تزال موضع جدل بسبب صعوبة التحقق الكامل من السجلات.
وبعد عقود، بدأت عائلات كثيرة في البحث عن الحقيقة عبر فتح القبور ومراجعة السجلات وإجراء تحاليل DNA. وكانت الصدمة أن بعض القبور التي قيل إنها تضم أطفالاً متوفين وُجدت فارغة، أو احتوت على حجارة وبقايا حيوانات بدلاً من رفات الأطفال.
وفي عام ٢٠١٨، شهدت إسبانيا أول محاكمة لطبيب متهم بالمشاركة في سرقة الأطفال، بعد أن اكتشفت امرأة تدعى إينيس مادريغال أنها انتُزعت من عائلتها الحقيقية وهي رضيعة عام ١٩٦٩. وأقرت المحكمة بوجود مؤشرات على تورط الطبيب في القضية، لكنها لم تُدنه بسبب مرور الزمن. ومنذ ذلك الحين، بقي هذا الملف مفتوحاً في ذاكرة إسبانيا، حيث يواصل كثيرون البحث عن آبائهم وأمهاتهم الحقيقيين.