لغز الجسيمات الأولية
* كل ما نعرفه في الكون، من الإنسان إلى الأرض والنجوم والأشياء اليومية، يتكوّن في النهاية من جسيمات أولية دقيقة. هذه الجسيمات، مثل الإلكترونات والكواركات والغلوونات، ليست مجرد مكوّنات صغيرة للمادة، بل هي الأساس الذي يجعل الذرات مستقرة والعالم متماسكاً كما نراه. ومن دونها لن تكون هناك مادة بالمعنى المعروف، ولن تستقر البنية التي تقوم عليها الكائنات والأجسام والكواكب.

* تؤدي مسرّعات الجسيمات دوراً أساسياً في دراسة البنية العميقة للمادة، ومنها مسرع ديزي في هامبورغ ومصادم الهادرونات الكبير في سيرن. تقوم هذه المنشآت بتسريع البروتونات والإلكترونات إلى سرعات هائلة، ثم تُحدث بينها تصادمات دقيقة، بهدف إعادة محاكاة ظروف قريبة جداً من اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، وفهم كيف بدأت المادة وكيف تشكّل الكون.

* تطورت فكرة الجسيمات غير القابلة للتجزئة من تصورات ديموقريطوس في اليونان القديمة عن الذرات، إلى اكتشاف أن الذرة نفسها قابلة للتجزئة، وأن البروتونات والنيوترونات تتكوّن من كواركات وغلوونات. ويصنف النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات الجسيمات الأولية المعروفة ضمن مجموعات رئيسية، منها الكواركات واللبتونات والبوزونات الحاملة للقوى، إضافة إلى بوزون هيغز الذي اكتُشف عام ٢٠١٢.

* لا تقتصر فيزياء الجسيمات على دراسة الكون البعيد أو النظريات المجردة، بل تدخل في تطبيقات عملية مهمة. فمن خلال الأشعة السينية والتصوير المقطعي، أصبح بالإمكان قراءة برديات أثرية مطوية من دون فتحها أو إتلافها، كما حدث مع برديات محفوظة في برلين، حيث ساعدت التقنية على كشف نصوص قبطية قديمة مرتبطة بتاريخ المسيحية المبكرة.

* أحدثت الأشعة السينية، التي تقوم على تسريع الإلكترونات، ثورة في الطب وعلوم المواد. فهي تسمح برؤية البنى الداخلية من غير تدخل جراحي، وتُستخدم ليس فقط في تصوير العظام، بل أيضاً في فحص المواد الهشة والقطع الأثرية والعينات العلمية الدقيقة، مما يجعلها أداة أساسية في البحث العلمي الحديث.

* في مصادم الهادرونات الكبير في سيرن، تُسرَّع البروتونات في اتجاهين متعاكسين وتتصادم عند نقاط محددة داخل أجهزة رصد ضخمة. وتؤدي هذه التصادمات إلى إنتاج جسيمات جديدة تُقاس مساراتها وطاقاتها بدقة كبيرة، ثم تُحلل البيانات الناتجة لفهم القوى الأساسية في الكون والبحث عن جسيمات أو ظواهر غير معروفة.

* يعد كاشف “لولب الميون المركب” المعروف اختصاراً بـ CMS واحداً من أهم أجهزة الرصد في سيرن. يعمل هذا الكاشف على تحليل شظايا التصادمات بين البروتونات، ويشارك فيه آلاف الباحثين من عشرات الدول. وقد كان من بين التجارب التي ساهمت في إثبات وجود بوزون هيغز، وهو اكتشاف كبير ساعد على فهم آلية اكتساب الجسيمات للكتلة.

* تساعد دراسة الجسيمات الأولية أيضاً في فهم البنى الضخمة مثل الأهرامات. فباستخدام التصوير بالميونات، وهي جسيمات ناتجة عن الأشعة الكونية، استطاع الباحثون دراسة البنية الداخلية للهرم الأكبر من دون تحريك أي حجر، وكشفوا عام ٢٠١٧ عن فراغ كبير غير معروف سابقاً يبلغ طوله نحو ٣٠ متراً.

* لا يُستخدم التصوير بالميونات في الآثار فقط، بل استُخدم أيضاً في فحص مفاعل فوكوشيما النووي من مسافة آمنة، كما يُستخدم في دراسة البراكين لرؤية بنيتها الداخلية. وتقوم الفكرة على أن الميونات تخترق الصخور والكتل الكبيرة، لكن مرورها يختلف بحسب كثافة المادة، مما يسمح بتكوين صورة عن الفراغات أو البنى المخفية.

* تمتد تطبيقات فيزياء الجسيمات إلى الحياة اليومية، ومنها الهواتف المحمولة التي تعتمد على الموجات الكهرومغناطيسية، وهي مرتبطة بالفوتونات والقوة الكهرومغناطيسية. كما أن أجهزة الاستشعار المصنوعة من السيليكون في الهواتف تعتمد على مبادئ قريبة من تلك المستخدمة في كواشف الجسيمات داخل المختبرات الكبرى.

* تؤدي فيزياء الجسيمات دوراً مهماً في الطب الحديث، خصوصاً في دراسة الفيروسات والبروتينات. فمن خلال الأشعة السينية عالية الكثافة ومسرعات مثل “بترا ٣” في هامبورغ، يستطيع العلماء تصوير البنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات بدقة ذرية، وهو ما يساعد في فهم آليات العدوى وتطوير أدوية تستهدف نقاط الضعف في الفيروسات.

* يرتبط البحث في الجسيمات الأولية بلغز المادة المظلمة، وهي مادة غير مرئية يُعتقد أنها تشكل النسبة الأكبر من مادة الكون. وتشكل المادة المظلمة نحو ٨٥% من إجمالي المادة، بينما لا تمثل المادة المعروفة التي تتكون منها الذرات والجزيئات إلا نحو ١٥%. ورغم أن آثارها الجاذبية واضحة في حركة المجرات، فإن طبيعتها الحقيقية لا تزال مجهولة.

* يقوم افتراض وجود المادة المظلمة على ملاحظات مرتبطة بحركة النجوم في المجرات. فالنظريات التقليدية تتوقع أن النجوم البعيدة عن مركز المجرة يجب أن تتحرك ببطء أكبر، لكن الرصد أظهر أنها تتحرك بسرعة أعلى من المتوقع. وهذا يعني أن هناك كتلة غير مرئية تمارس جاذبية إضافية، وتحافظ على تماسك المجرات ومنع تفككها.

* تبحث تجربة ALPS في مسرع ديزي عن جسيمات خفيفة جداً قد تكون مرتبطة بالمادة المظلمة، مثل الأكسيونات. وتعتمد التجربة على فكرة تبدو مستحيلة ظاهرياً، وهي جعل الضوء يبدو كأنه يخترق جداراً معتماً، من خلال احتمال تحوّل الفوتونات إلى جسيمات لا تتفاعل تقريباً مع المادة، ثم عودتها إلى فوتونات على الجانب الآخر.

* فيزياء الجسيمات ليست علماً بعيداً عن الواقع، بل مجال يحاول الإجابة عن أسئلة كبرى تتعلق بأصل الكون وبنية المادة، وفي الوقت نفسه يمنح البشرية تطبيقات عملية في الطب والاتصالات والآثار والطاقة والمواد. ففهم الجسيمات الأولية لا يساعد فقط على معرفة مما يتكوّن العالم، بل يقرّب الإنسان من فهم أعمق لكيفية نشأة الكون ومكانه فيه.
الفيديو الأصلي - دي دبليو
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة