* في ٢٥ ديسمبر ١٩٩١ أعلن ميخائيل غورباتشوف نهاية الاتحاد السوفيتي رسمياً، لتنتهي معه مرحلة كاملة من تاريخ القرن العشرين. خلال دقائق، اختفت من اللغة السياسية اليومية تعبيرات مثل “السوفيتي” و”الكتلة الشيوعية”، وتراجع حضور الجيش الأحمر الذي كان يوماً رمزاً للنصر والقوة والهيبة.
* ارتبط الجيش الأحمر في الذاكرة السوفيتية بانتصاره على ألمانيا النازية عام ١٩٤٥، حين خرج من الحرب الوطنية العظمى محمولاً على صورة أسطورية. غير أن العودة إلى الوطن لم تكن احتفالاً دائماً كما تخيل كثير من الجنود، بل اصطدمت بواقع قاسٍ من الفقر والدمار والتشرد.
* عاد نحو ٩ ملايين جندي سوفيتي إلى ديارهم بعد الحرب العالمية الثانية، لكن البلاد كانت مدمرة، وملايين الناس بلا مأوى. كثير من الجنود عادوا مصابين أو مشوهين أو فاقدين لسنوات شبابهم، بعد أن ذهبوا إلى الجبهة وهم في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر.
* لم يحصل المحاربون العائدون على الترحيب الذي توقعوه كأبطال. فالدعاية الرسمية وعدتهم بالتكريم، لكن الواقع كان مختلفاً؛ العمل نادر، والمساعدة قليلة، والجرحى والمشوهون وجدوا أنفسهم أحياناً مضطرين إلى التسول أو الانخراط في السوق السوداء للبقاء.
* كان وضع أسرى الحرب العائدين أكثر مأساوية، فقد نظر إليهم ستالين بريبة واشتبه في خيانتهم لمجرد أنهم وقعوا في الأسر. وبعد أن نجا بعضهم من معسكرات النازيين وسوء المعاملة والعمل القسري، وجدوا أنفسهم ينتقلون إلى معسكرات سوفيتية أو وحدات عقابية أو أعمال إعادة إعمار شاقة.
* رأت السلطة الستالينية أن مجد الجيش الأحمر بعد الحرب قد يتحول إلى خطر سياسي. فقد أصبح الجيش عظيماً في أعين الناس، وشعبية قادته وجنوده قد تنافس صورة ستالين نفسه، ولذلك بدأ الدكتاتور بتقليص رمزية النصر وإضعاف مكانة الجيش في الحياة العامة.
* منذ أواخر عام ١٩٤٧ بدأت إجراءات قللت من إرث الجيش الأحمر، فلم يعد ٩ مايو عطلة رسمية للاحتفال بالنصر، وقُطعت مزايا بعض المحاربين القدامى، وتراجع حضور ذكرى الحرب في الدولة. كان الهدف إعادة تركيز المجد حول ستالين والحزب لا حول الجنود والقادة العسكريين.
* سقط المارشال جورجي زوكوف، أحد أبرز أبطال الحرب، من مكانته بعد النصر. استخدم ستالين غنائم الحرب وصلاته ببعض الشخصيات ذريعة لإبعاده، فجرى نقله إلى مواقع بعيدة عن موسكو، من أوديسا إلى مناطق نائية، حتى لا يبقى قريباً من مركز السلطة.
* لم تكن نهاية الحرب العالمية الثانية نهاية الصراع، بل بداية مواجهة جديدة بين الشرق والغرب. في مؤتمر بوتسدام عام ١٩٤٥ اجتمع ستالين وتشرشل وترومان لتشكيل نظام ما بعد الحرب، لكن الخلافات الأيديولوجية والمصالح المتعارضة مهدت لبداية الحرب الباردة.
* انقسمت أوروبا بعد الحرب إلى مجالين متواجهين؛ غرب رأسمالي تدعمه الولايات المتحدة عبر مشروع مارشال، وشرق خاضع للنفوذ السوفيتي حيث سيطر الجيش الأحمر على الدول التي حررها من النازية. وأصبح تقسيم ألمانيا وبرلين رمزاً واضحاً لانقسام القارة بين معسكرين.
* أدى حصار برلين الذي فرضه ستالين إلى ترسيخ الانقسام بين الشرق والغرب. ومع الوقت تحولت “الستارة الحديدية” إلى واقع سياسي وعسكري ونفسي، فبدت أوروبا كأنها قارتان منفصلتان داخل قارة واحدة.
* بعد وفاة ستالين في مارس ١٩٥٣، بدأ صراع على إرثه داخل القيادة السوفيتية. برز نيكيتا خروتشوف ولافرينتي بيريا في المشهد، لكن المرحلة الجديدة اتجهت تدريجياً نحو تفكيك بعض رموز الستالينية وإعادة الاعتبار إلى الجيش ومحاربيه.
* استُدعي المارشال زوكوف من منفاه الداخلي وعاد إلى مركز القرار العسكري. وفي ١٤ مايو ١٩٥٥ وقع على حلف وارسو، وهو التحالف العسكري الذي أنشئ لمواجهة حلف الناتو، ما أعاد للجيش الأحمر موقعه المركزي في بنية القوة السوفيتية.
* بعد تعيين زوكوف وزيراً للدفاع، بدأ إحياء ذكرى الحرب الوطنية العظمى بصورة رسمية. أقيمت النصب التذكارية في مدن مثل ستالينغراد ولينينغراد ومنسك، وعاد المحاربون القدامى إلى المدارس والفعاليات العامة بوصفهم شهوداً على التضحية والنصر.
* أثرت عودة الاحتفاء بالحرب في الأجيال الجديدة، فقد نشأ أطفال كثيرون على قصص الأبطال الصغار والمقاومين والجنود. تحولت الذاكرة العسكرية إلى أداة تربية وطنية، وأصبحت مهنة الجيش من جديد خياراً جذاباً بعد سنوات من التهميش والريبة.
* في فبراير ١٩٥٦ ألقى خروتشوف خطابه السري في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، معلناً حملة اجتثاث الستالينية ومندداً بجرائم ستالين وعبادة شخصيته. ومع هذا التحول، أُفرج عن كثير من أسرى الحرب السابقين واستعاد عدد كبير من المحاربين القدامى امتيازاتهم.
* بعثت سياسة خروتشوف آمالاً في أوروبا الشرقية بإمكانية التحرر من القبضة السوفيتية. ففي بولندا والمجر ظهرت احتجاجات ومطالب بالاستقلال والديمقراطية، لكن موسكو سرعان ما أظهرت أن حدود الإصلاح لا تصل إلى السماح بخروج دول الكتلة الشرقية من نفوذها.
* في أكتوبر ١٩٥٦ اندلعت الثورة المجرية في بودابست، وخرج الطلاب والعمال والمواطنون ضد الحكم الشيوعي والهيمنة السوفيتية. أسقط المحتجون رموز ستالين ورفعوا شعارات الحرية، لكن الرد السوفيتي كان عسكرياً حاسماً.
* دخلت الدبابات السوفيتية بودابست لقمع الانتفاضة، لكن المقاومة كانت أعنف مما توقع الكرملين. استخدم المتظاهرون القنابل اليدوية وزجاجات المولوتوف ضد الدبابات، وتحولت الشوارع إلى ساحة معركة بين جيش عظيم وسكان يرفضون الخضوع.
* في ٤ نوفمبر ١٩٥٦ اندفعت آلاف الدبابات السوفيتية إلى العاصمة المجرية، وجاءت الأوامر بسحق ما وصفته موسكو بالثورة المضادة. انتهت الانتفاضة بمقتل آلاف المجريين وجرح واعتقال أعداد كبيرة، وهروب نحو ١٨٠ ألف شخص إلى الغرب.
* أثبت قمع بودابست أن الجيش الأحمر بعد الحرب لم يعد جيش تحرير فقط، بل أصبح أداة لحفظ النظام السوفيتي داخل الكتلة الشرقية. كان دوره الجديد حماية المجال الإمبراطوري لموسكو، حتى لو تطلب ذلك سحق شعوب كانت رسمياً “شقيقة”.
* بعد أزمة المجر، واصل زوكوف محاولة جعل الجيش أكثر احترافاً. أُبعد الجنود تدريجياً عن المهام الزراعية والخدمات غير العسكرية، وخُفض حجم الجيش من نحو ٥ ملايين إلى نحو ٣ ملايين خلال فترة قصيرة، مع التركيز على تحديث الأسلحة والمعدات.
* غيّرت القنبلة الذرية طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. فمع امتلاك الطرفين للسلاح النووي، دخل العالم مرحلة “توازن الرعب”، حيث أصبح الردع قائماً على القدرة المتبادلة على التدمير لا على التفوق التقليدي وحده.
* سعى الاتحاد السوفيتي إلى اللحاق بالترسانة الأمريكية النووية، بعدما امتلكت الولايات المتحدة آلاف الرؤوس النووية مقابل عدد أقل بكثير لدى موسكو. وضع هذا السباق السلاح النووي في قلب العقيدة العسكرية السوفيتية، وأصبحت السيطرة عليه جزءاً من مسؤولية الجيش الأحمر.
* في سبتمبر ١٩٥٤ شهدت عملية “كرة الثلج” اختباراً نووياً عسكرياً واسعاً، حيث فجرت قنبلة ذرية قرب عشرات آلاف الجنود والمركبات. تابع زوكوف التجربة من مسافة بعيدة نسبياً، بينما تعرض الجنود وسكان المناطق المحيطة لمخاطر إشعاعية بقيت طويلاً من الموضوعات المحظورة.
* ارتبط تطوير الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية بمدن مغلقة لا تظهر على الخرائط. عاش فيها العلماء والجنود تحت رقابة دائمة، لكنهم تمتعوا بامتيازات نادرة داخل الاتحاد السوفيتي، مثل رواتب أعلى وتوفر سلع غذائية يصعب الحصول عليها في بقية البلاد.
* انتقل التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من الأرض إلى الفضاء. أقنع المهندس سيرغي كورولوف القيادة العسكرية بإمكان استخدام الصواريخ بعيدة المدى لاختراق الغلاف الجوي وإرسال كائنات ثم بشر إلى الفضاء، فوُضع برنامج الفضاء ضمن النفوذ العسكري.
* في ٤ أكتوبر ١٩٥٧ أطلق الاتحاد السوفيتي سبوتنيك ١، أول قمر صناعي في التاريخ، وحقق صدمة عالمية كبرى. وبعد شهر أُرسلت الكلبة لايكا إلى الفضاء على متن سبوتنيك ٢، لتصبح أول كائن حي يدور حول الأرض، رغم أنها ماتت بعد ساعات من الإطلاق.
* أجبر التفوق السوفيتي المبكر في الفضاء الولايات المتحدة على إنشاء ناسا وزيادة استثماراتها في الرحلات الفضائية المأهولة. تحول الفضاء إلى جبهة رمزية للحرب الباردة، حيث لم يعد السؤال عسكرياً فقط، بل أصبح متعلقاً بمن يقود مستقبل البشرية العلمي والتقني.
* في ١٢ أبريل ١٩٦١ حقق الاتحاد السوفيتي انتصاراً دعائياً هائلاً بإرسال يوري غاغارين إلى الفضاء. دار غاغارين حول الأرض بسرعة هائلة وعاد بطلاً عالمياً، وأصبحت رحلته دليلاً في نظر السوفييت على أن نظامهم قادر على بلوغ المستحيل.
* مثّل غاغارين لحظة إيمان جديدة بالشيوعية بالنسبة لكثير من السوفييت، إذ شعروا أن بلادهم في الطليعة وأن المستقبل ملك لهم. ورغم أن الإنجاز كان ثمرة عمل علمي وهندسي طويل بقيادة كورولوف، فقد قدمته الدولة للعالم بوصفه انتصاراً للنظام السوفيتي كله.
* شكّل نجاح غاغارين ذروة جديدة في أسطورة الجيش الأحمر والدولة السوفيتية، فقد بدا أن القوة التي هزمت النازية قادرة أيضاً على غزو الفضاء. لكن خلف هذه الصورة اللامعة كانت تناقضات الاتحاد السوفيتي تتراكم، بين القمع الداخلي، وسباق التسلح، والسيطرة على أوروبا الشرقية، والعبء المتزايد للإمبراطورية.
* انتهى الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، لكن تاريخ الجيش الأحمر ظل مرآة لتحولات الدولة التي صنعته. بدأ كجيش ثوري، ثم صار جيش انتصار، ثم أداة إمبراطورية، ثم قوة نووية وفضائية، قبل أن تنتهي الأسطورة مع انهيار النظام الذي منحها معناها السياسي.