أين يذهب الزمن عندما ينتهي؟
* يثير سؤال الزمن واحدة من أعمق القضايا التي واجهها العقل الإنساني، لأنه لا يتعلق فقط بما مضى وما سيأتي، بل بطريقة فهم الإنسان لوجوده وحدوده. فالإنسان كائن يعيش داخل الزمان والمكان، ولذلك يرى الأحداث مرتبة على شكل ماض وحاضر ومستقبل.

* يختلف المنظور الإلهي في التصور التوحيدي عن منظور الإنسان المحدود، لأن الله خالق الزمان والمكان ولا يحويه زمان ولا مكان. وبناءً على هذا المعنى، لا يصح أن يُفهم علم الله كما يُفهم علم الإنسان، لأن الإنسان يعلم الأشياء من داخل الزمن، أما الله فليس محكوماً بتتابع الزمن.

* عندما يقال إن الله يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، فهذه ألفاظ تقريبية تناسب لغة البشر. أما في حقيقة التنزيه، فالله لا ينتظر المستقبل حتى يقع، ولا يفقد الماضي بعد انقضائه، لأن كل ما نسميه نحن زمناً يقع في علمه على نحو لا يشبه علم المخلوقات.

* يضرب بعض العلماء مثالاً بسيطاً لتقريب المعنى؛ فلو علم إنسان أن شخصاً سيقدم غداً عند شروق الشمس، ثم جاء الشروق ووقع الحدث، ثم صار الحدث ماضياً، فإن علم هذا الإنسان بالواقعة لم يتغير في جوهره. فإذا كان هذا المثال ممكناً في حق إنسان محدود، فكيف بعلم الله المطلق الذي لا يطرأ عليه جهل ولا انتظار ولا مفاجأة.

* المشكلة الكبرى تبدأ عندما يُسقط الإنسان صفاته الزمنية والمكانية على الله، فيتخيل علم الله كأنه علم إنساني واسع فقط. هذا الفهم تشبيهي، لأنه يجعل الخالق شبيهاً بالمخلوق في طريقة العلم والانتظار والتغير، بينما التنزيه يقتضي نفي هذه المحدودية عنه.

* الله في الاعتقاد التوحيدي خالق المكان، لذلك لا يكون محصوراً في مكان، وهو خالق الزمان، لذلك لا يجري عليه الزمان. هذه المقدمة إذا أُخذت بجدية تقود إلى إعادة فهم كثير من الأسئلة المتعلقة بعلم الله والقدر والمستقبل.

* تكمن صعوبة الزمن في أن الإنسان لا يستطيع الخروج من تجربته المباشرة له. فنحن لا نرى الأحداث إلا متتابعة؛ لحظة تأتي ثم تنقضي، وحدث يقع ثم يصبح ماضياً، وآخر لم يقع بعد فنعده مستقبلاً، وهذا كله يخص موقعنا نحن داخل الزمان.

* أظهرت النسبية أن التزامن ليس أمراً مطلقاً كما كان يُتصور قديماً. فقد يقع حدث كوني بعيد جداً، لكن كائناً على الأرض لا يراه إلا بعد وصول الضوء إليه، بينما يراه كائن آخر في مكان أبعد بعد ملايين أو مليارات السنين. وهكذا يصبح ما هو حاضر بالنسبة لمراقب مستقبلاً بالنسبة لمراقب آخر.

* إذا انفجر نجم يبعد عنا مليون سنة ضوئية، فلن نرى انفجاره إلا بعد مليون سنة، لأن الضوء يحتاج هذه المدة ليصل إلينا. أما كوكب آخر يبعد عن ذلك النجم عشرة ملايين سنة ضوئية، فلن يرى الحدث إلا بعد عشرة ملايين سنة. بذلك لا يكون “الحاضر” واحداً لكل الكائنات، بل يتغير بحسب الموقع والمسافة وسرعة وصول الإشارة.

* يبين المثال الكوني أن الزمن الذي نعده نحن حاضراً ليس بالضرورة حاضراً لغيرنا. فالحدث نفسه قد يكون ماضياً بالنسبة لمراقب، وحاضراً بالنسبة لآخر، ومستقبلاً بالنسبة لثالث، وكل ذلك داخل الكون نفسه، فكيف بمن لا يخضع أصلاً للمكان والزمان.

* عندما يكون الكائن متعالياً على المكان، لا تحده المسافات التي تحد المخلوقات، ولا ينتظر وصول الضوء أو الإشارة ليعلم بالحدث. لذلك يكون قياس علم الله على علم البشر خطأً من الأصل، لأن البشر يعلمون عبر الوسائط والتتابع، أما علم الله فليس محدوداً بهذه الشروط.

* يتضح المعنى أكثر عند التفكير في فيلم مدته ساعتان. الإنسان يشاهده خلال ١٢٠ دقيقة لأنه محكوم بتركيبه الزمني والحسي، لكن لو افترضنا كائناً يستطيع إدراك الفيلم كله في ثانية واحدة، فإن مستقبل الشخص الأول سيكون داخلاً في حاضر ذلك الكائن المفترض.

* هذا المثال لا يثبت طبيعة علم الله، لكنه يقرب للذهن أن إدراك الزمن قد يختلف بحسب طبيعة المُدرِك. فإذا كان اختلاف الإدراك ممكناً بين كائنات مخلوقة افتراضاً، فالأولى ألا نقيس علم الخالق على قيود الإنسان.

* تصل الفيزياء إلى مقاييس زمنية شديدة الصغر، مثل الأزمنة المرتبطة بالجسيمات الدقيقة، حيث تقع عمليات في أجزاء بالغة الضآلة من الثانية. هذه المقاييس تكشف أن إحساسنا اليومي بالثانية والدقيقة والساعة ليس سوى مستوى واحد من مستويات الزمن.

* عندما يتحدث الفيزيائيون عن أزمنة متناهية الصغر، فإنهم لا يتحدثون عن تجربة إنسانية عادية، بل عن حدود نظرية أو عملية في عالم الجسيمات. ومع ذلك، فحتى أدق زمن فيزيائي يبقى جزءاً من الكون المخلوق، ولا يمكن أن يكون قيداً على خالق الزمان.

* لذلك لا يصح السؤال عن الله بعبارات مثل: هل يعرف الشيء قبل وقوعه أم بعد وقوعه؟ إلا على سبيل التقريب اللغوي. فـ”قبل” و”بعد” ألفاظ تخص الكائنات التي تعيش داخل الزمان، أما الله فليس داخلاً في هذا الترتيب الزمني كما يدخل الإنسان.

* من هذا المنظور، يصبح الماضي والحاضر والمستقبل أوصافاً نسبية تخصنا نحن. أما في علم الله، فالأحداث كلها حاضرة على وجه يليق بكماله، من غير أن يعني ذلك أن الله يشبه من يشاهد شريطاً زمنياً كما يشاهده البشر.

* تساعد هذه الفكرة على فهم بعض المرونة في اللغة القرآنية، حيث تأتي أحياناً أحداث مستقبلية بصيغة الماضي أو بصيغة تفيد التحقق. فالأمر الذي لم يقع بعد في تجربتنا البشرية قد يُذكر كأنه وقع، لأنه في علم الله ثابت محقق لا يتطرق إليه احتمال أو شك.

* عندما يرد في القرآن التعبير عن أحداث الآخرة وكأنها قد وقعت، فليس ذلك خطأً في الزمن، بل أسلوب يدل على تحقق الوقوع وثباته في العلم الإلهي. فالقرآن يخاطب الإنسان بلغة يستطيع فهمها، وفي الوقت نفسه يفتح له باباً إلى معنى أوسع من الزمن البشري.

* يمكن فهم آيات من قبيل مجيء أمر الله أو سوق الناس إلى مصائرهم الأخروية ضمن هذا الأفق؛ فهي أحداث مستقبلية بالنسبة إلى الإنسان، لكنها ثابتة في علم الله. لذلك تأتي اللغة أحياناً بصيغة الماضي لتدل على القطع واليقين.

* لا يعني ذلك أن الإنسان يستطيع الإحاطة بكيفية علم الله أو بطبيعة الزمن من المنظور الإلهي. فالعقل يستطيع أن ينفي التشبيه ويقرر أن الله ليس محكوماً بالزمان، لكنه لا يستطيع أن يحول هذا المعنى إلى صورة كاملة يدركها كما يدرك الأشياء المحسوسة.

* خطأ كثير من التصورات الدينية والفلسفية أنها تبدأ من الإنسان ثم تكبر صفاته وتنسبها إلى الله. فتصور الله ككائن “يعلم أكثر” أو “يتذكر أكثر” أو “ينتظر أقل” يبقى تصوراً ناقصاً، لأن الفرق ليس في المقدار فقط، بل في حقيقة العلم والوجود.

* الله لا يعلم كما يعلم الإنسان، ولا يتغير علمه كما يتغير علم الإنسان. فالإنسان ينتقل من الجهل إلى العلم، ومن الشك إلى اليقين، ومن انتظار الحدث إلى رؤيته بعد وقوعه، أما الله فلا يطرأ عليه انتقال ولا زيادة ولا نقص.

* هذه المسألة ترتبط أيضاً بمشكلة القدر والحرية. فكثير من الإشكالات تنشأ عندما يتخيل الإنسان أن علم الله بالمستقبل يشبه اطلاع شخص على حدث لم يقع بعد داخل الزمن. لكن علم الله ليس انتظاراً للمستقبل، بل إحاطة لا زمنية بما يكون.

* لا يلغي علم الله مسؤولية الإنسان، لأن العلم ليس إكراهاً. فمعرفة الله بما سيختاره الإنسان لا تعني أن الإنسان أُجبر على اختياره، كما أن علم المراقب بوقوع حدث لا يكون بالضرورة سبباً في وقوعه، مع الفارق المطلق بين المثال البشري والعلم الإلهي.

* تبقى اللغة البشرية عاجزة عن التعبير الكامل عن هذه المعاني، لأنها لغة نشأت داخل تجربة الزمن والمكان. لذلك تستخدم الأديان والفلسفات ألفاظاً تقريبية مثل “قبل” و”بعد” و”حاضر” و”مستقبل”، لكنها تحتاج دائماً إلى تنزيه حتى لا تتحول إلى تشبيه.

* الزمن بالنسبة للإنسان ليس مجرد قياس فيزيائي، بل تجربة وجودية؛ به يشعر بالعمر والفقد والانتظار والندم والأمل. لذلك يكون التفكير في خروج الله عن الزمن صعباً، لأن الإنسان يحاول تخيل ما لا تجربة مباشرة له به.

* تكشف الفيزياء الحديثة أن الزمن أعقد مما يدركه الحس العادي، وأن الحاضر ليس مطلقاً كما كان يظن الإنسان. وهذا لا يثبت المسائل الدينية وحده، لكنه يساعد على كسر التصور الساذج الذي يتعامل مع الزمن كساعة واحدة كونية تشمل الجميع بالطريقة نفسها.

* إذا كان العلم نفسه قد جعلنا أكثر تواضعاً في فهم المكان والزمان، فإن التفكير الديني يحتاج إلى تواضع أكبر عند الحديث عن الله. فكلما تعمق الإنسان في معنى الخلق والتنزيه، أدرك أن الله لا يمكن أن يكون محصوراً داخل القوالب الذهنية التي صنعتها تجربتنا المحدودة.

* لا يذهب الزمن إلى مكان عندما ينتهي، لأن “الانتهاء” نفسه وصف نطلقه نحن على انتقالنا من لحظة إلى أخرى. ما ينتهي بالنسبة إلينا قد يكون ثابتاً في نسيج الكون أو في علم الله على نحو لا نحيط بكيفيته.

* الماضي لا يعود بالنسبة لنا لأننا محكومون باتجاه زمني واحد في تجربتنا اليومية. لكن هذا لا يعني أن الماضي معدوم على الإطلاق من كل منظور، بل يعني فقط أنه خرج من حضورنا نحن، ولم يعد قابلاً للعيش مرة أخرى ضمن شروطنا البشرية.

* المستقبل ليس عدماً مطلقاً بالمعنى الإلهي، لكنه بالنسبة لنا غيب لم ندخله بعد. نحن ننتظره لأنه لم يظهر في تجربتنا، أما علم الله فليس انتظاراً لما سيظهر، بل إحاطة بما كان وما يكون وما سيكون.

* يفتح التفكير في الزمن باباً إلى معنى التواضع أمام الله والكون. فالكائن الذي يرى جزءاً ضئيلاً من الوجود عبر حواسه المحدودة لا يحق له أن يحاكم كل الحقائق إلى طريقته الصغيرة في الإدراك.

* كلما اتسع فهم الإنسان للكون، اتضح له أن تجربته ليست المقياس المطلق. فالمسافات الكونية، وسرعة الضوء، والنسبية، والأزمنة الدقيقة، كلها تذكر الإنسان بأن ما يراه بديهياً قد يكون محدوداً بزاويته الضيقة.

* لذلك يكون الإيمان المنزه أعمق من مجرد إثبات وجود الله، لأنه يحاول أيضاً تحرير التصور الإلهي من قيود التشبيه. فالله ليس جسماً في مكان، ولا حادثاً في زمان، ولا عقلاً إنسانياً أكبر، بل خالق كل ذلك ومحيطه.

* لا ينبغي أن تتحول هذه المعاني إلى قسوة في الخطاب أو تعالٍ على الناس، بل إلى رحمة وتواضع. فالفهم الديني العميق لا يدفع إلى لعن المخالفين أو الدعاء عليهم، بل إلى طلب الهداية والخير لهم، لأن الرحمة جزء من حقيقة الإيمان.

* المعرفة الحقيقية بالله لا تنفصل عن الرحمة، لأن من يدرك عظمة الله يدرك أيضاً فقر الإنسان وضعفه وجهله. لذلك لا يكون الخطاب الديني الأرقى خطاب شتم وإقصاء، بل خطاب هداية ورحمة ومحبة للخلق.

* الزمن، في النهاية، ليس مجرد عقارب ساعة، بل سر من أسرار الوجود. ونحن نعيش داخله ونقيس به أعمارنا وأحداثنا، لكننا لا نملك الإحاطة بحقيقته النهائية، ولا بحقيقة من خلقه وأحاط به.

* يظل السؤال عن الزمن وسيلة لفتح العقل لا لإغلاقه. فمن خلاله يكتشف الإنسان حدود علمه، ويدرك أن الماضي والحاضر والمستقبل ليست حقائق مطلقة من كل وجه، بل أوصاف مرتبطة بموقعه المحدود داخل الكون.

* المعنى الأعمق أن الله لا ينتظر الزمن معنا، ولا يسبقه زمن، ولا يلحقه زمن. كل ما نراه متفرقاً في لحظات متتابعة هو في علمه حاضر على وجه يليق بجلاله، وهذه الحقيقة تجعل فهم العلم الإلهي والقدر والآخرة أكثر اتساعاً وتنزيهاً.
الفيديو الأصلي - عدنان إبراهيم
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة