هل توجد حياة على المريخ؟
* بدأ البحث الحديث عن الحياة على المريخ بلحظة مثيرة في عام ١٩٩٦، عندما أعلنت ناسا أن نيزكاً مريخياً عُثر عليه في القارة القطبية الجنوبية قد يحتوي على أدلة لحياة مجهرية قديمة. كان الإعلان صادماً، لأنه فتح احتمال أن الحياة لم تكن حكراً على الأرض.

* حمل النيزك المعروف باسم ألان هيلز ٨٤٠٠١ قصة علمية غير عادية. فقد كان قطعة نادرة من المريخ وصلت إلى الأرض بعد رحلة طويلة في الفضاء، واحتوت على تراكيب مجهرية أثارت جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت بقايا حياة بدائية أم مجرد تشكيلات معدنية.

* لم يكن من السهل قبول فكرة وجود أحافير مجهرية في نيزك مريخي، لأن العلماء يعرفون أن الطبيعة قد تصنع أشكالاً تشبه الحياة من دون أن تكون حية. لذلك واجه الاكتشاف منذ البداية معارضة قوية، إذ طالب كثيرون بتمييز الأحافير الحقيقية من التشكيلات المخادعة.

* وجدت كاثي كابيرتا وفريقها في النيزك بلورات صغيرة من الماغنيتيت ذات شكل غير مألوف. كانت البلورات دقيقة جداً، لكنها تشبه بلورات تصنعها بعض أنواع البكتيريا على الأرض لاستخدامها في توجيه نفسها مغناطيسياً.

* أثارت بلورات الماغنيتيت الحيرة لأنها لم تكن تشبه ما يراه العلماء عادة في النيازك أو العينات الفضائية. وعندما تبيّن أن أشكالاً قريبة منها توجد داخل بكتيريا أرضية، أصبح الاحتمال أكثر إثارة: ربما كانت تلك البلورات بقايا حياة مريخية قديمة.

* لم يتحول اكتشاف ألان هيلز إلى دليل قاطع، لكنه غيّر مسار العلم. فقد دفع إلى نشوء علم الأحياء الفلكية، وهو المجال الذي يدرس إمكانية وجود الحياة خارج الأرض، وطريقة نشأتها، والبيئات التي يمكن أن تحتضنها.

* كانت الوسيلة الوحيدة لحسم الجدل هي الذهاب إلى المريخ نفسه. فالنيازك تقدم دلائل ثمينة، لكنها لا تكفي وحدها، لأن فهم السياق الجيولوجي والبيئي يحتاج إلى دراسة الصخور في مكانها الأصلي على سطح الكوكب الأحمر.

* بدا المريخ في الصور الأولى القريبة من مسبار مارينر ٤ عام ١٩٦٤ عالماً بارداً وجافاً وشبيهاً بالقمر، بلا مدن ولا قنوات ولا علامات حضارة كما تخيل بعض الفلكيين قديماً. لكن المهمات اللاحقة كشفت أن هذا الانطباع لم يكن القصة كاملة.

* أظهرت صور مارينر ٩ قنوات متعرجة محفورة في سطح المريخ، بدت كأن الماء الجاري هو الذي صنعها. ثم جاءت مركبات لاحقة لتكشف دلتا أنهار قديمة، ومعادن مثل الهيماتيت والجبس، وهي مؤشرات قوية على وجود الماء في ماضي المريخ.

* لم يكن المريخ دائماً صحراء متجمدة كما نراه اليوم. تشير الأدلة إلى أنه كان في بداياته أكثر شبهاً بالأرض، بغلاف جوي أكثر سماكة، ومياه جارية، وبحيرات، وربما بحار، وظروف كان يمكن أن تكون مناسبة للحياة.

* لا يكفي وجود الماء وحده لوجود الحياة، لكنه شرط أساسي كما نعرفها. تحتاج الحياة أيضاً إلى عناصر كيميائية مناسبة، ومصادر طاقة، وبيئة مستقرة بما يكفي لتسمح للتفاعلات الحيوية أو ما قبل الحيوية بالاستمرار.

* أُرسلت عربة كيوريوسيتي عام ٢٠١١ لاستكشاف ما إذا كان المريخ القديم صالحاً للحياة. عملت العربة في قاع بحيرة قديمة، وحفرت في الصخور، وحللت تركيبها الكيميائي، ووجدت أن الماء كان موجوداً هناك لفترات طويلة وبحموضة مناسبة للحياة.

* عثرت كيوريوسيتي أيضاً على جزيئات عضوية ومركبات كربونية تعد من اللبنات الأساسية للحياة. لم يكن ذلك دليلاً على أن المريخ كان حياً، لكنه أكد أن الكوكب امتلك في الماضي كثيراً من المكونات الضرورية للحياة.

* بعد عقود من المهمات، أصبح السؤال العلمي أكثر دقة: لم يعد السؤال فقط هل كان المريخ صالحاً للحياة، بل هل نشأت الحياة فعلاً هناك؟ وهل تركت خلفها أحافير أو بصمات كيميائية يمكن اكتشافها اليوم؟

* لا يعرف العلماء حتى الآن كيف بدأت الحياة الأولى على الأرض نفسها، وهذا يجعل البحث عن الحياة على المريخ أكثر تعقيداً. فلكي نعرف ما نبحث عنه في كوكب آخر، يجب أن نفهم أولاً كيف تتحول الكيمياء غير الحية إلى كائنات حية.

* كل خلية حية معروفة تتكون من عناصر أساسية: غشاء يحمي الداخل، ومادة وراثية تحمل التعليمات، وبروتينات تقوم بعمليات الأيض. السؤال الكبير هو كيف اجتمعت هذه المكونات أول مرة من مواد كيميائية بسيطة على كوكب شاب.

* ترى إحدى النظريات أن الحياة قد تكون بدأت قرب الفتحات المائية الحرارية في أعماق المحيطات، حيث تخرج معادن وغازات غنية بالطاقة من باطن الأرض. في تلك البيئات، تستطيع الكائنات المجهرية أن تستمد طاقتها من الكيمياء لا من الشمس.

* تشبه الفتحات المائية الحرارية عالماً صغيراً غنياً بالطاقة والتدرجات الكيميائية، وهذا يجعلها مرشحة لتقريب المواد الكيميائية من سلوك يشبه الحياة. وقد صنع العلماء نماذج مخبرية صغيرة تحاكي هذه الفتحات لفهم ما إذا كانت قادرة على إطلاق كيمياء ما قبل الحياة.

* اكتشاف مؤشرات على وجود فتحات مائية حرارية قديمة على المريخ زاد من أهمية هذه النظرية. فإذا كانت هذه البيئات موجودة على الأرض والمريخ في الوقت نفسه تقريباً، فقد يكون الكوكبان امتلكا فرصاً متشابهة لنشأة الحياة.

* لا يتفق جميع العلماء على أن الحياة بدأت في أعماق المحيط. فهناك من يرى أن الماء الكثير قد يمنع الجزيئات الصغيرة من الاتحاد في سلاسل طويلة، لأن الماء يفرقها ويصعّب بناء المكونات المعقدة اللازمة للحياة.

* تقترح نظرية أخرى أن الحياة بدأت في بيئات تتناوب بين الرطوبة والجفاف، مثل الينابيع الحارة البركانية. فعندما يتبخر الماء، تقترب الجزيئات الصغيرة من بعضها وتتشكل روابط كيميائية، ثم يعود الماء ليساعد على تكوين أغشية بدائية.

* في تجارب الينابيع الحارة، يمكن للنيوكليوتيدات أن ترتبط لتكوين سلاسل تشبه بدايات المادة الوراثية، كما يمكن لليبدات أن تتجمع تلقائياً لتكوين أغشية تحيط بهذه الجزيئات. وهكذا تظهر خلايا بدائية ليست حية بعد، لكنها تقترب من البنية الأساسية للحياة.

* اكتشاف تربة سيليكا على المريخ بواسطة عربة سبيرت دعم احتمال وجود ينابيع حارة قديمة على الكوكب. وقد حدث الاكتشاف مصادفة عندما جرّت العربة إطاراً معطلاً وكشفت تحت السطح مادة تشير إلى بيئة مائية حارة سابقة.

* توجد نظرية ثالثة تربط بداية الحياة بالفوهات التي صنعتها النيازك. فعند اصطدام النيزك بكوكب شاب، يمكن أن تنتج حرارة هائلة وسيانيد ومياه حرارية، وهي عناصر قد تدفع تفاعلات كيميائية تصنع اللبنات الأساسية للحياة.

* يبدو السيانيد مادة مرتبطة بالموت بسبب سميته الشديدة، لكنه قد يكون في ظروف معينة مادة أولية مهمة لكيمياء ما قبل الحياة. فقد أظهرت تجارب أن تفاعلات تبدأ من السيانيد قد تنتج أحماضاً أمينية وسلفاً للنيوكليوتيدات والليبدات.

* قد تكون الفوهات النيزكية القديمة مختبرات طبيعية لصناعة مكونات الحياة الأولى، لأن الصدمة الحرارية والماء والمعادن والسيانيد يمكن أن تجتمع فيها. لكن على الأرض اندثرت معظم الفوهات القديمة بسبب الصفائح التكتونية، بينما بقيت قشرة المريخ أكثر حفظاً.

* لهذا السبب يُعد المريخ كبسولة زمنية نادرة. فقد توقف نشاطه التكتوني مبكراً نسبياً، وبقيت مناطق قديمة من قشرته محفوظة، ما يجعله مكاناً مثالياً للبحث عن أدلة اختفت من الأرض بفعل الحركة الجيولوجية.

* هبطت عربة بيرسيفيرانس في فوهة جيزيرو، وهي فوهة كان فيها بحيرة قديمة ودلتا نهرية قبل نحو أربعة مليارات عام. اختيار هذا الموقع لم يكن صدفة، لأن الدلتا على الأرض تحفظ المواد العضوية والأحافير الدقيقة داخل الرواسب.

* تبحث بيرسيفيرانس في الصخور الرسوبية القديمة عن علامات حياة محتملة، مثل تراكيب تشبه الستروماتوليت، وهي طبقات صخرية يمكن أن تصنعها مجتمعات ميكروبية. العثور على شيء مشابه على المريخ سيكون حدثاً بالغ الأهمية، لكنه لن يكون وحده دليلاً نهائياً.

* تحمل بيرسيفيرانس ٣٨ أنبوباً لجمع العينات، وتستخدم مثقاباً لأخذ أجزاء من الصخور المختارة بعناية. الهدف أن تُعاد هذه العينات يوماً إلى الأرض، حيث يمكن تحليلها بأجهزة مختبرية أكبر وأكثر دقة من أي جهاز يمكن وضعه على عربة مريخية.

* إذا وصلت عينات المريخ إلى الأرض، سيبحث العلماء عن أحافير مجهرية وبصمات كيميائية دقيقة. وقد تكون بعض الأدلة المطلوبة أكثر خفاءً من شكل خلية أو طبقة صخرية، لأنها قد تكون مركبات تكشف الحلقة المفقودة بين الكيمياء والحياة.

* كان المريخ القديم يتمتع بغلاف جوي وحقل مغناطيسي ومياه سطحية، لكن حجمه الأصغر جعله يبرد بسرعة أكبر من الأرض. وعندما ضعف قلبه الداخلي، فقد درعه المغناطيسي، فأصبحت الرياح الشمسية قادرة على تجريد غلافه الجوي تدريجياً.

* مع اختفاء الدرع المغناطيسي ورقة الغلاف الجوي، تبخرت المياه السطحية أو تجمدت، وارتفعت مستويات الإشعاع على السطح. وهكذا تحول المريخ من عالم قد يكون صالحاً للحياة إلى صحراء باردة وقاسية.

* سطح المريخ اليوم غير ملائم للحياة كما نعرفها، لأن الضغط منخفض جداً، والماء السائل لا يستقر بسهولة، والإشعاع يفتت الجزيئات العضوية الهشة. لذلك يعتقد بعض العلماء أن أفضل مكان للبحث عن حياة محتملة هو تحت السطح.

* على الأرض، يوجد محيط حيوي عميق تعيش فيه كائنات مجهرية تحت السطح بعيداً عن الشمس. إذا كانت الحياة قادرة على الازدهار في أعماق الأرض، فقد تكون هناك احتمالية أن تكون كائنات مريخية قديمة قد احتمت في أعماق المريخ أيضاً.

* قد لا يجد العلماء على المريخ أحافير فقط، بل ربما يجدون يوماً كائنات مجهرية حية في أعماق محمية من الإشعاع. هذا الاحتمال ما يزال بعيداً وصعب الاختبار، لكنه يبقي البحث عن حياة حالية على المريخ قائماً.

* إذا عُثر على حياة مريخية تشبه الحياة الأرضية، فسيظهر سؤال مثير: هل انتقلت الحياة بين الكوكبين عبر النيازك؟ فالصخور يمكن أن تقذف من المريخ إلى الفضاء بفعل الاصطدامات، ثم تصل إلى الأرض، والعكس ممكن نظرياً.

* إذا كانت الحياة على الأرض والمريخ من أصل واحد، فقد يعني ذلك أن الكوكبين تبادلا بذور الحياة في الماضي. وفي هذه الحالة قد نكون، بمعنى بعيد، أبناء نظام كوكبي واحد لا أبناء الأرض وحدها.

* أما إذا ثبت أن الحياة نشأت على المريخ بشكل مستقل عن الأرض، فستكون النتيجة أعظم أثراً. فهذا يعني أن الحياة ليست حادثة نادرة جداً، بل قد تظهر كلما اجتمعت الظروف المناسبة من ماء وطاقة وكيمياء ووقت.

* العثور على منشأ ثانٍ للحياة سيغير فهم الإنسان للكون. فإذا ظهرت الحياة مرتين في نظام شمسي واحد، فإن احتمال انتشارها في كواكب أخرى يصبح أكبر بكثير، وقد لا يكون الكون صامتاً كما يبدو لنا الآن.

* لا يزال إعلان عام ١٩٩٦ عن نيزك ألان هيلز مثار نقاش، لكنه نجح في إشعال جيل كامل من الأسئلة والمهمات العلمية. حتى إن لم يكن دليلاً نهائياً، فقد دفع الإنسان إلى البحث بجدية أكبر عن مكانه في الكون.

* دخلت دول كثيرة سباق استكشاف المريخ، وأصبح الكوكب الأحمر مختبراً عالمياً للبحث عن أصل الحياة. فكل مركبة تهبط عليه لا تبحث عن صخور فقط، بل عن فصل مفقود من تاريخ الحياة في النظام الشمسي.

* قد يخفي المريخ في صخوره القديمة الأدلة التي لم تعد موجودة على الأرض، بسبب الصفائح التكتونية والتعرية والتحولات الجيولوجية. لذلك قد يساعدنا المريخ ليس فقط على معرفة إن كانت هناك حياة عليه، بل على فهم كيف بدأت الحياة هنا أيضاً.

* السؤال عن الحياة على المريخ ليس فضولاً علمياً فحسب، بل سؤال وجودي. فإذا وجدنا حتى كائناً مجهرياً بسيطاً أو أثراً مؤكداً له، فسنعرف أن الأرض ليست المكان الوحيد الذي استطاعت فيه المادة أن تصبح حية.

* لا يحتاج الاكتشاف إلى حضارات أو كائنات ذكية حتى يكون مزلزلاً. خلية واحدة أو أحفورة مجهرية أو بصمة كيميائية مقنعة ستكون كافية لتغيير نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى احتمالات الحياة في الكون.

* المريخ اليوم عالم بارد وقاحل، لكنه قد يكون احتفظ في ذاكرته الصخرية بزمن كان فيه أكثر دفئاً ورطوبة وحيوية. لذلك لا يبحث العلماء فقط عن كوكب ميت، بل عن ماضٍ قد يحمل جواباً عن سؤال من أعمق أسئلة الإنسان: هل نحن وحدنا؟
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة