أسرار معمري جزيرة سردينيا
* تعد منطقة أولياسترا على الساحل الشرقي لجزيرة سردينيا واحدة من المناطق التي يكثر فيها المعمرون، حتى إن الوصول إلى سن التسعين لا يُعد أمراً استثنائياً كما في أماكن أخرى. يعيش السكان هناك وسط قرى جبلية صغيرة، في بيئة تجمع بين العمل اليومي والحياة الأسرية والغذاء المحلي والروابط الاجتماعية القوية.

* لا يبدو سر العمر الطويل في سردينيا عاملاً واحداً واضحاً، بل مزيجاً من الحركة المستمرة، والغذاء البسيط، والارتباط بالعائلة، والشعور بالانتماء، والعيش وفق إيقاع هادئ. هذه العناصر معاً تمنح كبار السن سبباً للاستمرار ودوراً اجتماعياً لا ينتهي مع التقدم في العمر.

* أنتون أنجيلو، البالغ ٩١ عاماً، لا يزال يقود سيارته ويعمل في مزرعته مع خرافه. يرى أن العمل والحركة هما ما يبقيانه حياً، وأن التوقف والجلوس الدائم في المنزل قد يكونان بداية التراجع الحقيقي.

* العمل اليومي في الهواء الطلق جزء أساسي من حياة كثير من كبار السن في أولياسترا. فالرعي، والزراعة، والعناية بالأشجار، وصناعة الجبن، ليست مجرد مهام اقتصادية، بل نظام حياة يحافظ على الجسد نشيطاً والعقل مشغولاً.

* يؤمن أنتون أنجيلو بأن الوقاية من المرض تبدأ من الحركة. فالإنسان حين يتوقف عن الحركة يصبح أكثر عرضة للضعف، أما النشاط المنتظم فيحافظ على العضلات والتوازن والشعور بالفائدة.

* رغم تقدمه في العمر، يشارك أنتون أنجيلو ابنه في حلب الأغنام وصناعة جبن الغنم والبيكورينو. هذه العلاقة بين الأب والابن ليست عملاً فقط، بل استمرار لطريقة حياة تنتقل من جيل إلى آخر.

* يحافظ كبار السن في سردينيا على صلة قوية بالعمل اليدوي، حتى عندما لا يعودون قادرين على أدائه بالقوة نفسها. فالمهم ليس الإنجاز السريع، بل البقاء داخل دائرة الفعل اليومي والشعور بأن لهم دوراً واضحاً.

* كارولينا، البالغة ٩١ عاماً، لا تزال تقف في المطبخ وتعد فطائر كولورجونس التقليدية المحشوة بالبطاطس والأعشاب والجبن. الطعام هنا ليس مجرد غذاء، بل ذاكرة عائلية ووسيلة للتواصل والكرم.

* تعتمد أطباق أولياسترا التقليدية على مكونات بسيطة مثل البطاطا، والجبن، والأعشاب المحلية، والفاصوليا، والخبز، وحساء المينستروني. هذه الأطعمة بعيدة عن التصنيع المفرط، وتؤكل غالباً ضمن وجبات عائلية واجتماعية.

* يرى سكان المنطقة أن الاعتدال في الطعام لا يقل أهمية عن نوعيته. فالغذاء الصحي لا يعني الإفراط في المنتجات الجيدة، بل تناول ما يكفي من الطعام المحلي البسيط من دون مبالغة.

* لا يزال كثير من سكان القرى يصنعون جزءاً كبيراً من غذائهم بأنفسهم، من الجبن إلى صلصة الطماطم والخبز واللحوم. هذا الارتباط المباشر بالطعام يمنحهم سيطرة أكبر على ما يأكلون، ويقلل اعتمادهم على المنتجات الصناعية.

* في المهرجانات التقليدية، يجتمع الأهل والأصدقاء حول الطعام المحلي، مثل لحم الضأن المشوي والجبن والخبز والمنتجات المنزلية. هذه المناسبات لا تقدم وجبة فقط، بل تعزز العلاقات والشعور بالانتماء.

* الحياة الطويلة في سردينيا لا تنفصل عن المجتمع. فالمعمرون لا يعيشون معزولين عن الناس، بل يزورهم الأبناء والأحفاد والجيران، ويشاركون في الأحاديث والاحتفالات والطقوس اليومية.

* جوزيبينو، البالغ مئة عام، يعيش بمفرده لكنه ليس وحيداً، إذ يتناوب أحفاده على زيارته ومساعدته وإعداد الطعام له. هذه الرعاية العائلية المنتظمة تمنحه استقلالاً من جهة، وشعوراً بالأمان من جهة أخرى.

* يحتفظ جوزيبينو بروتين يومي يضم ارتداء الملابس الأنيقة، والمشي في شوارع القرية، والذهاب إلى مصفف الشعر، والمزاح مع الناس. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح حياته نظاماً وبهجة واستمرارية.

* الضحك والمزاح حاضران بقوة في حياة كبار السن في أولياسترا. لا يُعامل العمر المتقدم هناك كحالة ضعف صامتة، بل كمرحلة يمكن أن تحمل خفة ظل وكرامة وحضوراً اجتماعياً.

* المشي في القرى الجبلية المنحدرة يشكل تمريناً طبيعياً يومياً لكثير من السكان. فالبيئة نفسها تدفع الناس إلى الحركة، من دون الحاجة إلى صالات رياضية أو برامج تدريب معقدة.

* فينشينزو، البالغ ٨٤ عاماً، يعد من المسنين الشباب في المنطقة، ولا يزال يعمل في بستان الزيتون مع ابنه. يشعر بأنه نافع وشاب ما دام قادراً على الحركة والعمل في الخارج.

* يوضح بستان الزيتون جانباً مهماً من نمط الحياة في سردينيا، حيث لا تنفصل الشيخوخة عن المشاركة في العائلة والعمل. فالأب يقدم الخبرة، والابن يقدم الجهد، والعمل المشترك يحفظ العلاقة بين الأجيال.

* لا يرى أهل أولياسترا أن الحياة يجب أن تكون عملاً دائماً بلا راحة. فالتوتر في نظرهم سم للجسم، والهدوء جزء من الحكمة اليومية. لذلك يعيشون بإيقاع أبطأ، يأخذون فترات راحة، ويمنحون العلاقات الإنسانية وقتها.

* تشير الدراسات المحلية إلى أن طول العمر في سردينيا لا يرتبط بالجينات وحدها. فالعامل الوراثي قد يكون مهماً في النصف الأول من الحياة، لكن العادات اليومية والبيئة والسلوك تصبح أكثر تأثيراً مع التقدم في العمر.

* جمع الباحثون بيانات بيولوجية وجينية من آلاف الأشخاص في سردينيا لفهم أسباب الشيخوخة الصحية. وتكشف هذه الأبحاث أن ما يأكله الإنسان، وما يتنفسه، وكيف يتحرك، وكيف يعيش اجتماعياً، كلها عناصر مؤثرة في العمر وجودته.

* لا يمكن التنبؤ بدقة بعدد السنوات التي سيعيشها الإنسان، لكن يمكن ملاحظة أن النشاط الجسدي والذهني والاجتماعي يرتبط غالباً بحياة أطول وأكثر استقلالاً. فالمعمرون في أولياسترا لا يكتفون بالبقاء أحياء، بل يحافظون على دور ومعنى في حياتهم.

* من اللافت أن كثيراً من كبار السن في المنطقة لم يدخنوا أو لم يفرطوا في عادات مضرة، وكانوا يشربون النبيذ غالباً بكميات معتدلة مع الطعام. هذا يشير إلى أن الاعتدال، لا الحرمان المطلق، جزء من نمط الحياة المحلي.

* لا يعيش المعمرون في سردينيا حياة خالية من الألم أو التعب، لكنهم يتعاملون مع الألم باعتباره شيئاً لا ينبغي أن ينتصر عليهم. هذه النظرة النفسية تمنحهم قدرة على الاستمرار رغم الأوجاع اليومية.

* تقول كارولينا إن الألم لا يجب أن ينتصر، بل عليها هي أن تنتصر عليه. هذه العبارة تلخص جانباً من عقلية أهل المنطقة، حيث لا ينكرون الشيخوخة، لكنهم لا يسمحون لها بتحديد هويتهم بالكامل.

* الدين حاضر في حياة بعض كبار السن، مثل كارولينا التي تذهب إلى الكنيسة وتضيء الشموع للآخرين. هذا الإيمان يمنحها معنى وطمأنينة، خصوصاً عند التفكير في الموت والرعاية والوحدة.

* تساعد زيارة كبار السن الآخرين كارولينا على الشعور بأنها ما زالت قادرة على العطاء. فهي تحمل لهم الطعام وتمنحهم لحظة فرح، رغم أنها نفسها في عمر متقدم وتحتاج إلى الراحة.

* لا يحظى جميع المسنين في المنطقة بالرعاية العائلية نفسها، فبعضهم يعيشون في دور رعاية. وهذا الجانب يذكر بأن نموذج سردينيا ليس مثالياً بالكامل، لكنه يبرز أهمية الرعاية العائلية والاجتماعية في جودة الشيخوخة.

* تشعر كارولينا بالحزن عندما ترى مسنين متروكين في دار الرعاية، لأنها تؤمن بأن مكان الكبير الطبيعي هو بين أهله ما دام ذلك ممكناً. هذه النظرة تعكس قيمة عميقة في المجتمع المحلي، حيث تعد العائلة شبكة حماية أساسية.

* في أولياسترا، لا يُنظر إلى المعمرين كعبء فقط، بل كرموز للفخر والمعرفة والاستمرارية. فهم شهود على تاريخ العائلة والقرية، وحضورهم يمنح الأجيال الأصغر إحساساً بالجذور.

* تشكل الأسرة الممتدة أحد أسرار العمر الطويل المحتملة في سردينيا. وجود الأبناء والأحفاد بالقرب من كبار السن يخفف الوحدة، ويدعم الاستقلال، ويحافظ على النشاط النفسي والاجتماعي.

* لا يقل النشاط الذهني أهمية عن النشاط الجسدي. فالقراءة، والحديث، والاهتمام بالناس، والمشاركة في شؤون العائلة والقرية، كلها عناصر تساعد كبار السن على البقاء يقظين ومتصالحين مع الحياة.

* يتضح في حياة المعمرين أن الشيخوخة الصحية ليست غياب المرض فقط، بل استمرار الشعور بالفائدة. الإنسان الذي يشعر أنه نافع ومرغوب ومسموع يملك سبباً أقوى للاستمرار.

* الغذاء السرديني التقليدي يقوم على مكونات قريبة من الأرض والقطيع والبيت. الجبن، والخبز، والبقول، والخضار، وزيت الزيتون، واللحوم بكميات معتدلة، كلها عناصر تشبه النظام المتوسطي الريفي، بعيداً عن التصنيع الزائد.

* صناعة جبن البيكورينو والريكوتا في البيت ليست مجرد عادة غذائية، بل وسيلة للحفاظ على مهارات قديمة. فاليد تعرف الحرارة، والخبرة تحل محل الأجهزة، والنتيجة طعام مرتبط بالذاكرة والعمل.

* الاعتماد على المنتجات المنزلية يمنح الطعام طابعاً مختلفاً عن المنتجات الصناعية. فالسكان يثقون بما صنعوه بأنفسهم، لأنهم يعرفون مصدره وطريقة تحضيره وما لم يضف إليه من مواد حافظة.

* لا يعني طول العمر في سردينيا أن الناس يعيشون بلا مشكلات صحية، بل إنهم يملكون نظاماً اجتماعياً وحياتياً يساعدهم على التعامل معها. الحركة، والعائلة، والغذاء، والهدوء، كلها عوامل تخفف أثر التقدم في العمر.

* البيئة الجبلية في أولياسترا قد تسهم في نمط الحياة النشط، لأنها تجعل المشي والعمل الخارجي جزءاً طبيعياً من اليوم. كما يمنح الهواء الطلق والشمس والحقول إحساساً دائماً بالاتصال بالمكان.

* يمكن النظر إلى أولياسترا كمنطقة تجمع بين الوراثة ونمط الحياة. فقد يكون لبعض السكان استعداد جيني لطول العمر، لكن هذا الاستعداد يحتاج إلى بيئة تدعمه، وإلا فلن يكفي وحده.

* تكشف تجربة المعمرين في سردينيا أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة الانسحاب من الحياة. فالعمل الخفيف، والطبخ، والزيارات، والمشي، والمشاركة في الاحتفالات، كلها طرق للبقاء داخل الحياة لا على هامشها.

* لا توجد وصفة سحرية واحدة لطول العمر، لكن نمط سردينيا يقدم إشارات مهمة: تحرك يومياً، وكل طعاماً بسيطاً، وحافظ على روابطك، وابتعد عن التوتر الزائد، وابقَ نافعاً للآخرين ما استطعت.

* من أهم ما يميز سكان أولياسترا أنهم لا يفصلون الصحة عن المعنى. فأن تعيش طويلاً ليس فقط أن يواصل الجسد العمل، بل أن تشعر بأنك جزء من عائلة ومجتمع وتاريخ ومائدة مشتركة.

* الاحتفالات التقليدية مثل موسم جز صوف الخراف تجمع العائلة والأصدقاء حول الطعام والعمل والضحك. هذه اللحظات تقوي الروابط الاجتماعية، وتعيد التأكيد على أن الإنسان لا يشيخ وحده عندما يكون محاطاً بجماعته.

* قد يكون الشعور بالأمان الاجتماعي أحد العوامل الخفية لطول العمر. فالإنسان الذي يعرف أن هناك من يزوره ويحادثه ويهتم به يعيش بقلق أقل، وهذا قد ينعكس على صحته النفسية والجسدية.

* يختصر المعمرون في سردينيا حكمة بسيطة: لا تتوقف عن الحركة، لا تفرط في الطعام، لا تعش وحيداً تماماً، ولا تفقد صلتك بما تحب. هذه المبادئ تبدو عادية، لكنها حين تتحول إلى أسلوب حياة قد تصنع فرقاً كبيراً.

* تظهر أولياسترا أن الصحة ليست قراراً فردياً فقط، بل ثقافة كاملة. فالقرية، والعائلة، والطعام، والعمل، والإيقاع اليومي، كلها تشكل بيئة تدفع الإنسان إلى البقاء نشيطاً ومتصلاً بالآخرين.

* في النهاية، لا تكشف سردينيا عن سر واحد للخلود، بل عن طريقة عيش تجعل الشيخوخة أقل عزلة وأكثر معنى. وربما يكون أطول الناس عمراً هم الذين لا يطاردون العمر الطويل بقلق، بل يعيشون يوماً بعد يوم داخل مجتمع يمنحهم سبباً للنهوض كل صباح.
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة