تتغير علاقة المستخدمين بالإنترنت مع توسع البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إذ لم تعد غوغل تكتفي بإرشاد المستخدم إلى المواقع، بل أصبحت تجيب عن الأسئلة مباشرة، وتلخص المحتوى، وتقترح الحلول داخل صفحة البحث نفسها. ويمنح هذا التحول المستخدم إجابة أسرع، لكنه يضع المواقع التي أنتجت المحتوى أمام أزمة حقيقية، لأنها تخسر الزيارات التي كانت تمول استمرارها.
تشير بيانات متداولة إلى أن كثيراً من عمليات البحث على غوغل تنتهي من دون أن ينقر المستخدم على أي رابط خارجي. وفي هذه الحالة تُستهلك الإجابة داخل صفحة البحث، بينما لا تحصل المواقع التي ساهمت في إنتاج المعرفة على زائر أو عائد واضح. وهذا ما يجعل الناشرين، خصوصاً الصغار والمستقلين، الطرف الأكثر تضرراً في المعادلة الجديدة.
ظهرت آثار هذا التحول على منصات ومواقع متعددة. فقد تراجعت الزيارات المجانية لبعض المواقع التعليمية والسياحية والمدونات المستقلة بصورة كبيرة، بعدما بدأت غوغل تقدم إجابات مباشرة بدلاً من توجيه المستخدمين إلى الصفحات الأصلية. ولا يعني ذلك أن البحث اختفى، بل إن طريقة توزيع العائد منه تغيرت، حيث بقيت المنصات الكبرى أكثر قدرة على الصمود، بينما أصبحت المواقع الصغيرة أكثر هشاشة.
وتزداد المشكلة لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد في جانب كبير من إجاباتها على محتوى الناشرين أنفسهم، من المقالات والتحقيقات والمصادر، من دون أن يحصل هؤلاء دائماً على مقابل واضح أو زيارات كافية. وتقول غوغل إن النقرات التي تصل إلى المواقع ما زالت مستقرة أو أصبحت أعلى جودة، لكن كثيراً من الناشرين يرون أن بياناتهم تشير إلى تراجع واضح في الإحالات القادمة من البحث.
أمام هذا الواقع، بدأ بعض الناشرين بالبحث عن نماذج بديلة، مثل الاشتراكات المباشرة، والنشرات البريدية، والحضور على منصات التواصل والفيديو، بدلاً من الاعتماد الكامل على الزيارات القادمة من محركات البحث. فالجمهور الذي يصل مباشرة إلى الموقع أو يدفع للاشتراك يصبح أقل عرضة لأن تعترضه ملخصات الذكاء الاصطناعي داخل صفحة البحث.
وفي بريطانيا، برز أول تحرك تنظيمي مهم عندما ألزمت هيئة المنافسة والأسواق غوغل بمنح الناشرين حق الانسحاب من الملخصات الذكية من دون معاقبتهم بخفض ترتيبهم في البحث. ويعكس هذا القرار محاولة لإعادة بعض التوازن بين شركات التكنولوجيا الكبرى والناشرين الذين يتحملون كلفة إنتاج المحتوى.
تكمن خطورة التحول في أن احتكار الإجابة قد يضعف اقتصاد المعرفة على الإنترنت. فإذا تراجعت قدرة المواقع على تمويل الصحافة والتحقيقات والمحتوى المتخصص، فقد تقل جودة المعلومات المتاحة مستقبلاً، ويصبح الذكاء الاصطناعي معتمداً أكثر فأكثر على محتوى قديم أو مكرر. وهكذا لا تكون الأزمة في سرعة الوصول إلى الإجابة، بل في مستقبل المصادر التي تصنع هذه الإجابة من الأصل.