كيف صنعت ناسا المكوك؟
* بدأ الطريق إلى مكوك الفضاء من سؤال كبير واجه ناسا بعد برنامج أبولو: كيف يمكن الوصول إلى الفضاء أكثر من مرة من دون التخلص من معظم المركبة في كل رحلة؟ فصواريخ ساترن ٥ العملاقة حملت البشر إلى القمر، لكنها كانت مكلفة جداً، ولا يعود منها إلى الأرض إلا جزء صغير لا يمكن إعادة استخدامه.

* بعد نجاح أبولو، لم تعد السياسة الأمريكية مستعدة لتمويل فضائي مفتوح كما في سباق القمر. لذلك بدأت ناسا تبحث عن نظام نقل فضائي جديد، أقل كلفة وأكثر انتظاماً، يمكنه حمل رواد الفضاء والأقمار الصناعية والمعدات إلى مدار الأرض المنخفض.

* ظهر مفهوم مكوك الفضاء بوصفه مركبة قابلة لإعادة الاستخدام جزئياً، تعود إلى الأرض مثل طائرة شراعية وتهبط على مدرج. كان الأمل أن يجعل هذا النظام الرحلات الفضائية أكثر روتينية، وأن يخفض تكلفة الوصول إلى المدار.

* لم تكن فكرة المركبة المجنحة العائدة من الفضاء جديدة تماماً، فقد سبقتها تجارب مهمة مثل طائرة إكس ١٥. كانت هذه الطائرة الصاروخية تطلق من أسفل جناح طائرة بي ٥٢، ثم تصعد إلى ارتفاعات شاهقة بسرعات فرط صوتية قبل أن تهبط بلا محرك.

* منحت إكس ١٥ ناسا وسلاح الجو الأمريكي خبرة ثمينة في الطيران عالي السرعة والعودة غير المزودة بالطاقة. وقد استفاد مصممو مكوك الفضاء من بيانات هبوطها، لأن المكوك نفسه كان سيعود من المدار كطائرة ثقيلة بلا قدرة على تشغيل محركاته أثناء الهبوط.

* كان نيل أرمسترونغ من بين طياري إكس ١٥، وقد ساعدت هذه التجارب في بناء جيل من الطيارين والمهندسين الذين فهموا حدود الطيران بين الغلاف الجوي والفضاء. ورغم أن إكس ١٥ لم تكن مركبة مدارية، فإنها كانت خطوة مهمة في التفكير بطائرة فضائية.

* إلى جانب إكس ١٥، درست ناسا وسلاح الجو مفهوم “الجسم الرافع”، وهو مركبة لا تعتمد على أجنحة كبيرة، بل على شكل جسمها نفسه لتوليد الرفع. بدأت هذه التجارب بمركبات غريبة الشكل بدت للناس أشبه بحوض استحمام طائر.

* كانت مركبات الجسم الرافع محاولة للعثور على وسيلة تجعل المركبة الفضائية تعود إلى مدرج محدد بدلاً من السقوط في المحيط وانتظار سفن الإنقاذ. هذا الهدف كان مهماً، لأن عمليات الاستعادة البحرية في برامج ميركوري وجيميناي وأبولو كانت مكلفة ومعقدة.

* اختبرت مركبة HL-10 فكرة الجسم الرافع، ووصلت إلى سرعات وارتفاعات مهمة، لكنها ظلت مركبة اختبارية. وقد قدمت بيانات مهمة عن التحكم والهبوط السريع، لكنها لم تصبح التصميم النهائي لمكوك الفضاء.

* بعد أبولو، وجدت ناسا نفسها أمام واقع مالي جديد. فقد ألغيت آخر مهمات أبولو المخطط لها، وتحولت بعض صواريخ ساترن ٥ المتبقية إلى معروضات بدلاً من أدوات رحلات جديدة، بينما استخدم بعضها في مشروع سكايلاب.

* أظهرت محطة سكايلاب قيمة المختبرات المدارية، إذ أتاحت تجارب علمية ودراسات شمسية مهمة. لكنها عانت من مشكلة أساسية: لم تكن هناك مركبة قادرة على زيارتها ورفع مدارها وصيانتها بانتظام، وهذا جعل فكرة المكوك أكثر إلحاحاً.

* أرادت ناسا في البداية نظاماً طموحاً يتكون من مرحلتين قابلتين لإعادة الاستخدام: معزز يعود إلى موقع الإطلاق ومكوك مداري يعود إلى الأرض. لكن هذه التصاميم كانت باهظة جداً، ولم تناسب الميزانية التي فرضتها الإدارة الأمريكية.

* انتهى التصميم إلى تسوية عملية: مكوك مداري قابل لإعادة الاستخدام، ومعززان صاروخيان يعملان بالوقود الصلب يمكن استعادتهما، وخزان خارجي ضخم يستخدم مرة واحدة فقط. لم يكن النظام قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، لكنه بدا مقبولاً مالياً وسياسياً.

* كان الدرع الحراري من أكبر التحديات في تصميم المكوك. فالكبسولات السابقة استخدمت دروعاً حرارية تتآكل وتحترق أثناء العودة، أما المكوك فاحتاج إلى نظام حماية حرارية يمكن استخدامه مرة بعد أخرى.

* طورت لوكهيد بلاطات حرارية خفيفة من السيليكا، قادرة على عزل هيكل الألمنيوم عن حرارة العودة الهائلة. هذه البلاطات جعلت فكرة المركبة المجنحة القابلة لإعادة الاستخدام ممكنة، لكنها ستصبح لاحقاً أحد أكثر أجزاء المكوك حساسية وتعقيداً.

* بدأ العمل على أول مكوك عام ١٩٧٤، وكان اسمه الأصلي كونستيتيوشن، ثم تغير إلى إنتربرايز بعد حملة شعبية مستوحاة من مسلسل ستار تريك. لم يكن إنتربرايز معداً للطيران إلى الفضاء، بل لاختبارات الاقتراب والهبوط داخل الغلاف الجوي.

* حملت ناسا مكوك إنتربرايز فوق طائرة بوينغ ٧٤٧ معدلة خصيصاً، ثم أطلقته في رحلات حرة لاختبار قدرته على الانفصال والهبوط. هذه التجارب كانت ضرورية لأن المكوك الحقيقي سيهبط دائماً كطائرة شراعية ضخمة بلا محركات.

* أثبت إنتربرايز أن شكل المكوك قادر على الهبوط بنجاح، رغم سرعته العالية ومعدل هبوطه الكبير. ومع اكتمال هذه الاختبارات، كان العمل يتواصل على أول مكوك فضائي حقيقي: كولومبيا.

* واجهت كولومبيا مشكلات كبيرة قبل رحلتها الأولى، خصوصاً في تثبيت البلاطات الحرارية. فقد كانت المادة اللاصقة تفشل أحياناً، واضطرت فرق العمل إلى إزالة بلاطات كثيرة وإعادة تركيبها بعد عمليات تدعيم طويلة.

* لم تكن محركات المكوك الرئيسية أقل تعقيداً، فقد صممت لتعمل بكفاءة عالية جداً باستخدام الهيدروجين السائل والأكسجين السائل. كان يجب أن تكون قابلة لإعادة الاستخدام، وقادرة على خفض قوة الدفع، وأن تتحرك بزاويا دقيقة لتوجيه المركبة أثناء الصعود.

* في ديسمبر ١٩٨٠، خرجت كولومبيا إلى منصة الإطلاق، وخضعت لاختبار تشغيل المحركات الرئيسية وهي مثبتة على الأرض. كان هذا الاختبار ضرورياً للتأكد من أن المركبة وأنظمة المنصة قادرة على تحمل القوى والاهتزازات قبل الرحلة الأولى.

* في ١٢ أبريل ١٩٨١، انطلقت كولومبيا في أول رحلة لمكوك فضائي، وعلى متنها جون يونغ وبوب كريبن. كانت هذه أول مرة تطير فيها مركبة فضائية أمريكية جديدة بطاقم من أول رحلة اختبارية، وهو قرار عكس ثقة كبيرة ومخاطرة واضحة.

* صممت رحلة كولومبيا الأولى لتكون محدودة الضغط على المركبة، وكانت حجرة الحمولة شبه فارغة. ركزت المهمة على جمع البيانات وفهم الفارق بين التوقعات النظرية وسلوك المكوك الحقيقي في الإطلاق والمدار والعودة.

* أثناء الرحلة الأولى، ظهرت مخاوف من تلف البلاطات الحرارية بسبب موجات الضغط عند الإطلاق. لذلك جرى توجيه المكوك بحيث يستطيع قمر استطلاع تصوير أسفله، ولم يظهر حينها تلف خطير يمنع العودة.

* هبطت كولومبيا بسلام في قاعدة إدواردز الجوية بعد رحلة استمرت يومين، وأُعلن نجاح أول مهمة للمكوك. لكن الفحص بعد الهبوط كشف قائمة طويلة من الأعطال والأضرار التي احتاجت إلى معالجة قبل الرحلة التالية.

* أظهرت الرحلة الأولى أن إعادة استخدام المركبة الفضائية ليست مسألة بسيطة. فقد احتاجت كولومبيا إلى أشهر من العمل، لا إلى أسبوعين كما كان مأمولاً، من أجل فحص المحركات والبلاطات والهيكل وإعادة تجهيزها.

* أدت موجات الصدمة أثناء الإطلاق إلى فقدان عدد من البلاطات وتضرر بلاطات أخرى. لذلك أعادت ناسا تصميم نظام كبح الصوت في منصة الإطلاق، وأضافت نظاماً ضخماً لإغراق المنصة بالماء قبل تشغيل المحركات، لتخفيف الارتدادات الصوتية.

* في الرحلة الثانية لكولومبيا عام ١٩٨١، عاد المكوك إلى الفضاء، وهذه المرة مع جو إنجل وريتشارد ترولي. كانت هذه أول إعادة استخدام لمركبة فضائية مدارية، لكنها لم تحقق بعد سرعة التحضير التي حلم بها مصممو البرنامج.

* بعد الرحلة الثانية، أعلن أن نظام المكوك أصبح جاهزاً للعمل، رغم بقاء مشكلات لم تحل بالكامل. ومع مرور الوقت، دخلت مركبات جديدة الخدمة مثل تشالنجر وديسكوفري وأتلانتس، ليصبح لدى ناسا أسطول من المكوكات.

* اعتمد نظام المكوك على ما يسمى “مكدس المكوك”، المكون من المركبة المدارية، والخزان الخارجي، والمعززين الصاروخيين الصلبين. عند الإطلاق، كانت المعززات توفر معظم الدفع في الدقيقتين الأوليين، بينما تغذي المحركات الرئيسية من وقود الخزان الخارجي.

* بمجرد اشتعال المعززات الصلبة، لم يكن ممكناً إيقافها. وهذا جعل لحظة الإطلاق حاسمة وخطرة، لأن أي خلل كبير في هذه المرحلة لا يترك خيارات كثيرة للطاقم أو مركز التحكم.

* بعد نفاد وقود المعززين، كانا ينفصلان ويسقطان في المحيط لاستعادتهما. وبعد نحو ثماني دقائق، تتوقف محركات المكوك الرئيسية ويتخلص النظام من الخزان الخارجي، الذي يحترق لاحقاً في الغلاف الجوي.

* في السنوات التشغيلية الأولى، أصبح المكوك أداة مركزية لإطلاق الأقمار الصناعية. كانت ناسا تتوقع أن يحل محل الصواريخ التقليدية في كثير من المهمات، وأن يصبح النقل الفضائي خدمة متكررة ومربحة.

* أطلق أسطول المكوكات عشرات الأقمار الصناعية خلال سنواته الأولى، كما أتاح إجراء تجارب جديدة في المدار. وبدا لفترة أن الرحلات الفضائية بدأت تقترب من الصورة التي وعد بها البرنامج: عمليات منتظمة ومتعددة الأهداف.

* أتاح المكوك لرواد الفضاء استخدام معدات لم تكن ممكنة في المركبات السابقة، مثل الذراع الآلية ووحدة المناورة المأهولة. وفي إحدى المهمات، أصبح بروس مكيندلس أول إنسان يطير حراً في الفضاء بعيداً عن المركبة، باستخدام حقيبة دفع مستقلة.

* سمح المكوك أيضاً باستعادة أقمار صناعية معطلة من المدار وإعادتها إلى الأرض، وهو إنجاز لم يكن ممكناً بالصواريخ التقليدية. لكن بعض عمليات الالتقاط كانت صعبة وخطرة، ما جعل ناسا تعيد تقييم أساليب العمل خارج المركبة.

* مع تزايد الرحلات، بدأت ناسا تتعامل مع بعض المشكلات المتكررة كأنها أمور يمكن التكيف معها، مثل تلف البلاطات وتساقط رغوة العزل من الخزان الخارجي وتآكل أجزاء في المعززات. هذا الاعتياد التدريجي على الخطر سيكون له ثمن لاحقاً.

* في منتصف الثمانينيات، كانت ناسا تروج لفكرة أن السفر إلى الفضاء أصبح أمراً روتينياً. ووصلت هذه الفكرة إلى ذروتها مع مشروع “المعلم في الفضاء”، الذي اختيرت له كريستا ماكوليف لتقديم دروس من المدار.

* في يناير ١٩٨٦، كان مكوك تشالنجر يستعد للانطلاق في جو شديد البرودة. حذر بعض المهندسين من أن البرودة قد تؤثر في الحلقات العازلة داخل المعززات الصاروخية الصلبة، لكن المهمة مضت قدماً.

* بعد ٧٣ ثانية من الإطلاق، تفكك تشالنجر أمام أنظار العالم، وقُتل رواد الفضاء السبعة. كشفت التحقيقات أن البرودة الشديدة ساهمت في فشل حلقة عازلة في أحد المعززات، ما أدى إلى تسرب غازات ساخنة وانهيار المركبة.

* لم تكن كارثة تشالنجر فشلاً تقنياً فقط، بل فشلاً إدارياً أيضاً. فقد خلصت لجنة التحقيق إلى أن ناسا بالغت في تقدير موثوقية نظام المكوك، وتعاملت مع مؤشرات الخطر المتكررة بثقة أكبر مما ينبغي.

* توقفت رحلات المكوك بعد تشالنجر، وأعيد تصميم المعززات الصاروخية، وخضع النظام كله لمراجعة دقيقة. كما عاد رواد الفضاء إلى ارتداء بدلات الضغط أثناء الإطلاق والهبوط، وأضيفت إجراءات إنقاذ محدودة.

* عاد المكوك إلى الطيران عام ١٩٨٨ مع ديسكوفري، لكن التوقعات كانت أقل من السابق. انتهى حلم المكوك كوسيلة تجارية روتينية لإطلاق الأقمار الصناعية، وعادت الولايات المتحدة إلى استخدام الصواريخ غير القابلة لإعادة الاستخدام في مهمات عديدة.

* رغم ذلك، واصل المكوك تحقيق إنجازات كبرى، وأبرزها إطلاق تلسكوب هابل الفضائي عام ١٩٩٠. كان هابل مصمماً ليطلق داخل حجرة حمولة المكوك، وليخضع لاحقاً لصيانة وتحديثات في المدار.

* بعد إطلاق هابل، اكتُشف أن مرآته الأساسية صقلت بعيب دقيق جعل الصور غير واضحة. لكن ميزة المكوك ظهرت بقوة عندما تمكن رواد الفضاء لاحقاً من الوصول إلى التلسكوب وتركيب بصريات تصحيحية وأجهزة جديدة.

* حولت مهمة إصلاح هابل التلسكوب من أزمة مكلفة إلى أحد أعظم المراصد في تاريخ العلم. فقد قدم هابل قياسات دقيقة لعمر الكون وتوسعه، وكشف مجرات بعيدة وسحباً نجمية ومشاهد كونية لم تكن ممكنة من قبل.

* كان المكوك هو الأداة الوحيدة التي جعلت صيانة هابل وتحديثه ممكنين بهذه الطريقة. وعلى مدى سنوات، عاد رواد الفضاء إلى التلسكوب في مهمات صيانة، ما منحه عمراً علمياً تجاوز ثلاثة عقود.

* في التسعينيات، بدأ المكوك يؤدي دوراً جديداً في التعاون مع روسيا بعد نهاية الحرب الباردة. التقى مكوك الفضاء بمحطة مير الروسية، وبدأ رواد الفضاء الأمريكيون يكتسبون خبرة في الرحلات الطويلة، بينما شارك رواد روس في مهمات المكوك.

* مهد التعاون مع محطة مير الطريق لبناء محطة الفضاء الدولية. ومع بدء العمل الجاد على المحطة عام ١٩٩٨، أصبح المكوك أداة البناء الأساسية، حاملاً الوحدات الضخمة والهياكل والمعدات إلى المدار.

* اعتمد بناء محطة الفضاء الدولية على الذراع الآلية ومهارات السير في الفضاء والتجميع المداري. تدرب رواد الفضاء شهوراً على أدوات وتقنيات دقيقة، لأن كل مهمة كانت تضيف جزءاً جديداً إلى المختبر المداري الضخم.

* في عام ٢٠٠٠، بدأ الوجود البشري المستمر على متن محطة الفضاء الدولية، ومعه أصبح المكوك جزءاً أساسياً من توسع المحطة. كانت حجرة حمولة المكوك الكبيرة ميزة لا يمكن تعويضها بسهولة في تلك المرحلة.

* في فبراير ٢٠٠٣، وقعت الكارثة الثانية عندما تفكك مكوك كولومبيا أثناء العودة إلى الغلاف الجوي، وفقد رواد الفضاء السبعة حياتهم. كشف التحقيق أن قطعة من رغوة العزل انفصلت عن الخزان الخارجي أثناء الإطلاق واصطدمت بجناح المكوك الأيسر.

* أحدثت ضربة الرغوة ثقباً أو تلفاً في نظام الحماية الحرارية للجناح، وعند العودة تسللت الحرارة الهائلة إلى داخله، فانهار هيكل المركبة. مثل تشالنجر، كانت كولومبيا تذكيراً بأن المشكلات التي تُعامل كأمور معتادة قد تخفي خطراً قاتلاً.

* بعد كولومبيا، توقفت رحلات المكوك مرة أخرى، وتعطل بناء محطة الفضاء الدولية. واضطرت الطواقم إلى الاعتماد على مركبات سويوز الروسية للوصول إلى المحطة والعودة منها.

* عند عودة المكوك إلى الطيران عام ٢٠٠٥، أضيفت إجراءات أمان كثيرة، منها تصوير الإطلاق بدقة، وفحص الدرع الحراري في المدار، وتصوير أسفل المكوك من محطة الفضاء الدولية. كما أصبح بالإمكان إبقاء الرواد في المحطة إذا احتاجوا إلى انتظار مهمة إنقاذ.

* حُصرت رحلات المكوك لاحقاً في المهمات الضرورية، خصوصاً بناء محطة الفضاء الدولية وصيانة هابل. لم يعد البرنامج يحاول إثبات أن الفضاء أصبح رخيصاً وروتينياً، بل ركز على إنجاز ما لا تستطيع مركبات أخرى إنجازه.

* رغم اقتراب نهاية البرنامج، شهدت سنواته الأخيرة بعض أعظم إنجازاته. فقد اكتملت محطة الفضاء الدولية تقريباً، وجرى تنفيذ مهمة صيانة أخيرة لهابل عام ٢٠٠٩، زودته بأحدث الأجهزة وأعادت رفع مداره.

* بعد اكتمال محطة الفضاء الدولية، تقاعد المكوك نهائياً، ووجدت الولايات المتحدة نفسها معتمدة على سويوز الروسية لنقل رواد الفضاء إلى المدار. كان ذلك اعترافاً بأن المكوك، رغم عظمته الهندسية، لم يحقق حلم النقل الفضائي الرخيص والمتكرر.

* كان مكوك الفضاء قابلاً لإعادة الاستخدام جزئياً، لكنه لم يكن اقتصادياً كما وُعد به. فقد كانت عمليات الفحص والصيانة وإعادة التجهيز طويلة ومكلفة، خصوصاً بسبب البلاطات الحرارية والمحركات والأنظمة المعقدة.

* من ناحية أخرى، قدم المكوك قدرات فريدة لم تمتلكها أي مركبة أخرى في عصره. حمل أقماراً صناعية ضخمة، واستعاد أخرى من المدار، وأصلح هابل، وبنى جزءاً كبيراً من محطة الفضاء الدولية.

* تكمن مأساة المكوك في أنه جمع بين العبقرية والخطر. كان آلة طموحة للغاية، لكنها اعتمدت على نظام شديد التعقيد، واحتاجت إلى ثقة كاملة في آلاف القطع التي يجب أن تعمل معاً بلا خطأ.

* فشل المكوك مرتين فشلاً كارثياً، وفقدت ناسا أربعة عشر رائد فضاء في تشالنجر وكولومبيا. هذه الخسائر جعلت البرنامج رمزاً للإنجاز العلمي، وفي الوقت نفسه درساً قاسياً في حدود الثقة بالتقنية.

* لم يجعل مكوك الفضاء الرحلات إلى المدار رخيصة ولا روتينية، لكنه غيّر شكل العمل في الفضاء. لقد حوّل المدار الأرضي إلى ورشة بناء وصيانة، لا مجرد مكان عابر لمركبات صغيرة.

* يمكن النظر إلى المكوك بوصفه جسراً بين عصر الصواريخ الضخمة الأحادية الاستخدام وعصر المركبات الحديثة القابلة لإعادة الاستخدام. فقد أثبت أن إعادة الاستخدام ممكنة، لكنه أثبت أيضاً أن تحقيقها اقتصادياً وأماناً أصعب بكثير مما تخيله المخططون.

* في النهاية، لم يكن مكوك الفضاء فشلاً كاملاً ولا نجاحاً مطلقاً. كان مشروعاً جريئاً حمل أحلاماً أكبر من قدرة التكنولوجيا والسياسة والميزانية في زمانه، لكنه ترك إرثاً هائلاً في العلوم والهندسة وبناء محطة الفضاء الدولية وفهم مخاطر الفضاء.
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة