* بدأت حملة القصف الألمانية المكثفة على بريطانيا في سبتمبر ١٩٤٠، بعد فشل ألمانيا النازية في إخضاع سلاح الجو الملكي البريطاني خلال معركة بريطانيا. وأصبحت هذه الحملة، التي عرفت باسم «البليتز» أو الحرب الخاطفة، محاولة لضرب المدن والمصانع ومعنويات السكان ودفع الحكومة البريطانية إلى التفاوض والاستسلام.

* كان أدولف هتلر يأمل في تمهيد الطريق لغزو بريطانيا من خلال تدمير قدراتها الجوية، لكن المقاومة التي أبداها الطيارون البريطانيون جعلت الغزو المباشر أكثر صعوبة. لذلك تحولت القوات الجوية الألمانية إلى القصف الليلي، الذي سمح لقاذفاتها بتجنب كثير من المواجهات مع المقاتلات البريطانية.

* استمرت المرحلة الأساسية من البليتز نحو ثمانية أشهر، من سبتمبر ١٩٤٠ إلى مايو ١٩٤١. وخلال هذه الفترة تعرضت لندن ومدن صناعية وموانئ ومراكز سكانية أخرى لغارات متكررة استهدفت المصانع ووسائل النقل والمساكن والبنية التحتية.

* تعرضت لندن للقصف خلال ٥٧ ليلة متتالية في بداية الحملة تقريباً، وأرادت القيادة الألمانية من ذلك شل الإنتاج الصناعي، وتدمير منازل العمال، وإضعاف قدرة السكان على مواصلة الحرب. فقد افترض الألمان أن العامل الذي يفقد منزله وأسرته لن يستطيع الاستمرار في العمل داخل المصانع.

* استخدمت القاذفات الألمانية قنابل شديدة الانفجار قادرة على هدم المباني وقتل السكان، إلى جانب أعداد كبيرة من القنابل الحارقة التي أشعلت النيران في المنازل والمتاجر والمصانع. وكان اجتماع الانفجارات والحرائق يجعل عمليات الإنقاذ والإطفاء شديدة الصعوبة.

* قتل نحو ٤٣ ألف مدني بريطاني خلال البليتز، وأصيب عشرات الآلاف بجروح. ومنذ اليوم الأول للغارات الكبرى سقط مئات القتلى، بينما دمرت الحرائق والانفجارات أحياء واسعة وغيرت شكل عدد من المدن البريطانية.

* تحولت الغارات الجوية إلى جزء من الحياة اليومية، إذ كان السكان ينتقلون ليلاً إلى الملاجئ ومحطات قطارات الأنفاق والأقبية. وكان عليهم العودة صباحاً إلى أعمالهم عبر شوارع مليئة بالزجاج والأنقاض والمباني المحترقة.

* ارتبطت تلك المرحلة بما عرف لاحقاً باسم «روح البليتز»، وهي صورة شعبية للبريطانيين وهم يتكاتفون في مواجهة الخطر، ويحافظون على هدوئهم وفكاهتهم وإصرارهم على مواصلة العمل. وأصبحت عبارة قدرة لندن على الاحتمال رمزاً للمقاومة المدنية.

* زار الملك جورج السادس والملكة إليزابيث الأحياء المتضررة والتقيا السكان الذين فقدوا منازلهم، في محاولة لإظهار التضامن بين العائلة المالكة والمدنيين. وأسهمت هذه الزيارات في تعزيز صورة المجتمع البريطاني المتماسك في مواجهة القصف.

* لم تكن صورة الوحدة الوطنية كاملة، فقد كشفت الغارات أيضاً عن التوتر والخوف والأنانية والانتهازية. وبينما خاطر كثيرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين، استغل بعض الأشخاص انقطاع الكهرباء والفوضى والمنازل المدمرة لارتكاب السرقة والاحتيال.

* ارتفعت معدلات الجريمة في بريطانيا خلال فترة البليتز، وظهرت حالات نهب للمنازل والمتاجر بعد تعرضها للقصف. وكان بعض اللصوص ينتظرون انتهاء الغارة للوصول إلى الممتلكات التي تناثرت في الشوارع أو بقيت داخل المباني المتضررة.

* كان الفصل بين النهب والعثور على الممتلكات المفقودة غامضاً في بعض الحالات، إذ كان الناس يعثرون على أغراض داخل شوارع دمرت منازلها بالكامل ولا يعرفون ما إذا كان أصحابها أحياء. لكن بعض الجماعات تحولت إلى شبكات منظمة تستغل الكارثة لتحقيق الأرباح.

* استخدم بعض المجرمين شارات حراس الغارات الجوية للتنقل أثناء حظر التجول، بينما استخدمت سيارات إسعاف في نقل سلع إلى السوق السوداء. كما ظهرت عمليات احتيال مرتبطة بالتعويضات الحكومية المخصصة لمن دمرت منازلهم.

* قدمت الحكومة البريطانية مساعدات مالية للمتضررين من القصف، لكن بعض المحتالين قدموا طلبات متعددة للحصول على التعويضات أكثر من مرة. ومع ذلك، لم يؤد ارتفاع الجرائم إلى انهيار شامل للنظام، وظل التعاون والتطوع أكثر انتشاراً من الفوضى.

* أدت الغارات إلى توسيع دور خدمات الدفاع المدني، بعدما استدعي كثير من رجال الشرطة والإطفاء والطوارئ إلى مهمات مرتبطة بالحرب. وظهر جيش من المتطوعين الذين تولوا مراقبة الأحياء، وإرشاد السكان، وإطفاء الحرائق، وإنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض.

* كان حراس الغارات الجوية يراقبون التزام السكان بإطفاء الأنوار حتى لا تتمكن الطائرات الألمانية من تحديد المدن والأهداف بسهولة. كما كانوا يفحصون المباني بعد القصف، ويحددون أماكن القنابل غير المنفجرة، ويساعدون رجال الإطفاء والإنقاذ.

* اضطر الحراس إلى التعرف على أنواع مختلفة من القنابل الألمانية وكيفية التعامل معها، رغم أن معداتهم كانت محدودة في كثير من الأحيان. وكان عملهم يشمل إخراج الجرحى والجثث من المباني المحترقة، وتنظيم الملاجئ، وتقديم الإسعافات الأولية.

* كان إيتا إكبينيون أحد أبرز حراس الغارات الجوية الذين لم تحظ قصصهم بالشهرة الكافية. قدم من نيجيريا إلى بريطانيا لدراسة القانون بعد أن عمل مديراً لمدرسة، لكن الحرب والصعوبات المالية منعته من إكمال دراسته.

* كان إيتا في السادسة والأربعين عندما اندلعت الحرب، ولذلك كان أكبر سناً من أن يلتحق بالجيش. لكنه تطوع في الدفاع المدني، معتبراً لندن موطنه الجديد وبريطانيا بلداً يرغب في المساهمة بحمايته.

* تولى إيتا مسؤولية مراقبة الغارات في حي ماريليبون وسط لندن، وهو منصب غير مألوف لرجل أفريقي في بريطانيا خلال تلك الفترة. فقد كان عدد السود في مواقع السلطة محدوداً، وكان عليه إصدار التعليمات لسكان بعضهم يحمل أفكاراً عنصرية.

* واجه إيتا خلال إحدى الليالي اعتراض بعض الموجودين في ملجأ على السماح للأجانب بالدخول. فأعلن أن بريطانيا تخوض الحرب دفاعاً عن الحرية والتسامح، وأن الملجأ سيستقبل الناس من مختلف الأصول، ومن يرفض ذلك يستطيع البحث عن مكان آخر.

* غادر بعض المعترضين الملجأ، لكن موقف إيتا أنهى التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة داخل مكان مكتظ بالسكان. وأظهر قدرته على استخدام الهدوء والحزم في بيئة كان الخوف والقصف يضغطان فيها على أعصاب الجميع.

* وثق إيتا تجاربه في برامج إذاعية ومقالات، وتحدث عن سكان كانوا ينظرون إليه بوصفه تميمة تجلب الحظ بسبب لون بشرته. ورغم أن الفكرة كانت خرافية وعنصرية في أصلها، فقد استخدمها لكسب ثقة الناس وجعلهم يستمعون إلى تعليماته.

* نجا إيتا من الحرب، لكنه لم يتمكن من العودة إلى دراسة القانون، وعمل بعد ذلك ساعي بريد حتى وفاته عام ١٩٥١. وتكشف قصته أن المجتمع البريطاني خلال الحرب كان أكثر تنوعاً مما تظهره الروايات التقليدية.

* لم يشارك جميع الرجال البريطانيين في القتال المسلح، فقد رفض نحو ٥٩ ألف شخص الخدمة القتالية لأسباب دينية أو أخلاقية وضميرية. وكان عدد المعترضين ضميرياً في الحرب العالمية الثانية أكبر بكثير منه في الحرب العالمية الأولى.

* رأى بعض دعاة السلام المسيحيين أن تعاليمهم تمنعهم من قتل الآخرين أو حمل السلاح. واضطر هؤلاء إلى المثول أمام محاكم خاصة لشرح معتقداتهم، وكانت المحكمة تقرر إعفاءهم كلياً أو تكليفهم بخدمة غير قتالية.

* تغير موقف المجتمع من دعاة السلام بعد بدء الغارات، إذ أصبحت الوطنية مرتبطة بالاستعداد للقتال، ونظر بعض الناس إلى الرافضين لحمل السلاح بوصفهم جبناء أو خونة. لكن كثيراً من المعترضين ضميرياً أدوا أعمالاً خطيرة في الدفاع المدني والإطفاء والخدمات الطبية.

* شارك دعاة سلام في إطفاء الحرائق وإنقاذ الجرحى داخل المدن المقصوفة، كما عمل بعضهم في المستشفيات والهيئات الطبية العسكرية. وقد رفضوا استخدام السلاح، لكنهم لم يرفضوا مساعدة الضحايا أو التعرض للخطر.

* خدم ديفيد بريكز في الهيئة الطبية بعد أن قررت المحكمة تكليفه بمهمة غير قتالية، واستمر في الخدمة ست سنوات. ووصل في النهاية إلى شواطئ نورماندي أثناء الإنزال، من دون أن يحمل سلاحاً، معتمداً على شارة طبية لم تكن توفر له حماية حقيقية وسط المعركة.

* لم تكن مواقف دعاة السلام متشابهة، فقد رأى بعضهم أن مقاومة ألمانيا النازية ضرورية رغم رفضهم الشخصي للقتل، بينما تمسك آخرون بفكرة أن بريطانيا كان ينبغي ألا تخوض الحرب حتى لو أدى ذلك إلى هزيمتها.

* بعد انتهاء البليتز، نقلت بريطانيا الحرب الجوية إلى المدن الألمانية من خلال حملة قصف استراتيجية استهدفت المصانع ووسائل النقل والموارد العسكرية. ورافق هذه الحملة استخدام وسائل استخباراتية وحرب إلكترونية متطورة.

* كانت «عملية كورونا» مشروعاً بريطانياً سرياً هدفه تضليل المقاتلات الليلية الألمانية. واعتمدت على أجهزة إرسال أرضية قوية تبث تعليمات مزيفة باللغة الألمانية إلى الطيارين الذين يحاولون اعتراض القاذفات البريطانية.

* استخدمت بريطانيا لاجئين ألماناً يتحدثون اللغة بلهجاتها المحلية بطلاقة، وكلفتهم بتقليد أصوات وحدات المراقبة الألمانية. وكان هؤلاء يرسلون معلومات خاطئة عن اتجاه القاذفات والطقس والأهداف، أو يطلبون من الطيارين تجاهل التعليمات الصحيحة.

* تسبب البث المتعارض في إرباك الطيارين الألمان، إذ كان المراقب الحقيقي يصدر أمراً، ثم يأتي صوت آخر مقنع ليطلب عكسه ويدعي أنه المراقب الحقيقي. وفي بعض الحالات أصبح من الصعب على الألمان التمييز بين الصوتين.

* دخلت عملية كورونا حيز التنفيذ في أكتوبر ١٩٤٣، وكانت جزءاً من حرب الاستخبارات الجوية البريطانية. لكنها فقدت فعاليتها تدريجياً عندما غيرت ألمانيا أنظمة الاتصال وطورت وسائل لمواجهة التدخل البريطاني.

* لم يكن الأطفال جميعاً بعيدين عن المدن أثناء البليتز، رغم إجلاء مئات الآلاف منهم إلى الريف. فقد رفض بعض الآباء إرسال أبنائهم، وعاد عدد من الأطفال الأكبر سناً إلى منازلهم بعدما لم يتأقلموا مع حياة الإجلاء.

* عاش الأطفال الذين بقوا في المدن رحلات متكررة إلى الملاجئ، وحملوا أقنعة الغاز وبطاقات الهوية، وشاهدوا الحرائق والأنقاض والموت. وكان بعض الصغار ينظرون إلى الغارات بوصفها مغامرة لأنهم لم يدركوا حجم الخطر.

* تعرضت مدينة كوفنتري الصناعية في نوفمبر ١٩٤٠ لغارة مدمرة أودت بحياة أعداد كبيرة ودمرت مساحات واسعة. وبعد تلك الغارة انضم عدد من المراهقين إلى أعمال الدفاع المدني، وساعدوا الأسر التي فقدت منازلها في الحصول على مأوى ومستلزمات.

* كانت القنابل الألمانية متنوعة، ومن بينها ألغام جوية ضخمة تحملها المظلات وتحتوي على كميات كبيرة من المتفجرات. وقد صممت بهياكل رقيقة حتى تولد موجة انفجار واسعة قادرة على تدمير عدة مبانٍ في وقت واحد.

* ظهرت في منطقة إيست إند بلندن مجموعة من الأطفال والمراهقين عرفت باسم «عصابة الطريق المسدود»، وقادها عامل أرصفة شاب يدعى باتسي دوغان. وكان يرغب في الانضمام إلى الجيش، لكن عمله في الميناء عُد من المهن الضرورية التي منع أصحابها من التجنيد.

* جمع باتسي عدداً من أقاربه وأطفال الحي وشكل منهم فريقاً تطوعياً لمكافحة الحرائق وإنقاذ السكان. وكان أصغر الأعضاء في الثالثة عشرة تقريباً، بينما لم يتجاوز عمر القائد السابعة عشرة.

* استخدمت المجموعة أدوات بسيطة، مثل الخوذ المعدنية والدلاء والرمال والعربات اليدوية والسلالم والقضبان الحديدية. وكان أعضاؤها يفتحون الأبواب بالقوة، ويصلون إلى النوافذ المرتفعة، ويساعدون في إخراج المحاصرين من المباني.

* تعامل الأطفال مع القنابل الحارقة من خلال تغطيتها بالرمال أو سحبها بعيداً عن المباني. وتذكر بعض الروايات أنهم كانوا يربطون حبلاً بزعانف القنبلة ويسحبونها قبل إلقائها في النهر، وهي مهمة بالغة الخطورة.

* أنقذ أعضاء المجموعة عدداً من السكان، لكن اثنين منهم قتلا خلال الغارات. وتكشف قصتهم أن المجهود المدني لم يقتصر على البالغين، وأن أطفالاً ومراهقين تحملوا مسؤوليات تفوق أعمارهم في واحدة من أخطر مراحل الحرب.

* قتل أكثر من ٧ آلاف طفل في الغارات الجوية على بريطانيا خلال الحرب، وأصيب عدد مماثل تقريباً. وتركت التجربة لدى الناجين ذكريات طويلة الأمد، إذ شعر كثيرون بأن الحرب سلبتهم طفولتهم وأجبرتهم على النضج المبكر.

* انتهت المرحلة الرئيسية من البليتز في مايو ١٩٤١ عندما حول هتلر جزءاً كبيراً من قواته الجوية والعسكرية نحو غزو الاتحاد السوفيتي. لكن الغارات المتفرقة على بريطانيا استمرت لاحقاً بوسائل أخرى.

* دمرت الحرب مئات الآلاف من المنازل، وتغيرت عناوين ملايين البريطانيين بسبب الإجلاء والقصف والانتقال إلى مساكن جديدة. وفي بعض الشوارع بدت المباني بعد الحرب مثل صفوف من الأسنان فقدت أجزاء منها.

* لم تؤد الغارات إلى استسلام بريطانيا كما خططت القيادة الألمانية، بل أسهمت في زيادة تصميم كثير من السكان على مواصلة القتال والرد. وبعد أربع سنوات من انتهاء البليتز كانت ألمانيا النازية قد هزمت وانتهت الحرب في أوروبا.

* رسخت تجربة البليتز في الذاكرة البريطانية صورة المجتمع القادر على الاحتمال والرد في مواجهة التهديد الخارجي. لكن التاريخ الكامل لتلك المرحلة يجمع بين التضامن والجريمة، والشجاعة والخوف، والعنصرية والتسامح، والمقاومة المسلحة والاعتراض الأخلاقي.

* الخلاصة أن البليتز لم يكن مجرد حملة قصف جوي، بل تجربة اجتماعية غيرت بريطانيا من الداخل. فقد كشفت حدود الوحدة الوطنية وقوتها في الوقت نفسه، وأظهرت كيف يمكن للمدنيين والمتطوعين والأطفال والمهاجرين ودعاة السلام أن يؤدي كل منهم دوراً مختلفاً في زمن الحرب.