* ظهرت فكرة نهاية العالم أو نهاية الزمان في حضارات كثيرة قبل نشوء الديانات التوحيدية، إذ حاول الإنسان منذ القدم تفسير مصير الكون والمجتمع والنظام الذي يحكم الحياة. وكانت قصص النهاية غالباً امتداداً لأساطير الخلق والبداية.

* تتناول أساطير الشعوب عادة مرحلتين متقابلتين: نشأة العالم في البداية، ثم فناؤه أو تحوله في النهاية. ولا تعني النهاية دائماً اختفاء الوجود بصورة نهائية، فقد تكون تمهيداً لتجديد العالم أو بدء دورة كونية جديدة.

* ارتبطت تصورات نهاية العالم بالكوارث التي عرفتها المجتمعات القديمة، مثل الفيضانات والجفاف والمجاعات والأوبئة والحروب. وقد تحولت ذكريات هذه الكوارث إلى روايات دينية وأساطير تصف انهيار النظام ونجاة مجموعة صغيرة من البشر.

* عرفت حضارات وادي الرافدين أساطير عن طوفان هائل يزيل معظم مظاهر الحياة. ومن أبرزها قصة أتراحاسيس ورواية أوتنابشتم في ملحمة جلجامش، حيث ينجو بطل مختار بعد أن يبني سفينة ويحمل فيها أهله وكائنات حية.

* لم يكن الطوفان في الأساطير الرافدية نهاية مطلقة للكون، بل تدميراً واسعاً يعقبه استمرار الحياة. وقد انتقلت عناصر من هذه القصص إلى روايات لاحقة ظهرت في ثقافات وأديان مختلفة.

* اعتقد المصريون القدماء أن استقرار العالم يعتمد على استمرار نظام «ماعت»، الذي يمثل الحق والعدل والتوازن الكوني. وكان انهيار هذا النظام يعني انتشار الفوضى وتعطل القوانين التي تحفظ المجتمع والطبيعة.

* تضمنت بعض النصوص المصرية تصورات عن جفاف النيل واضطراب الفصول وانتشار الفوضى وانقلاب النظام الاجتماعي. ولم تكن جميعها نبوءات حرفية عن نهاية الكون، بل استخدمت أحياناً للتحذير من فقدان النظام والعدالة.

* تقوم بعض المعتقدات الهندوسية على أن الزمن يتحرك في دورات طويلة، تمر فيها البشرية بعصور متعاقبة. ويعد عصر «كالي يوغا» مرحلة يتراجع فيها العدل وتنتشر الصراعات والفساد قبل انتهاء الدورة وبدء عصر جديد.

* لا تمثل نهاية الدورة في الهندوسية فناءً نهائياً للوجود، بل انتقالاً بين مراحل تتكرر فيها عملية الخلق والحفظ والهدم. ولذلك تختلف هذه الرؤية عن التصورات التي تفترض بداية واحدة للعالم ونهاية واحدة له.

* تتحدث بعض المدارس البوذية عن تراجع تعاليم بوذا ونسيانها بمرور الزمن، ثم ظهور بوذا مستقبلي يدعى «مايتريا» يعيد نشر التعاليم. وتركز هذه الفكرة على تجدد المعرفة الروحية أكثر من تركيزها على تدمير العالم.

* ظهرت في ثقافات التبت وآسيا روايات متعددة عن فيضانات أو انهيارات أو تحولات كونية، لكنها لا تشكل عقيدة واحدة موحدة. فقد اختلفت القصص بحسب المناطق والمدارس الدينية والعصور التاريخية.

* أثار تقويم المايا اهتماماً عالمياً في عام ٢٠١٢ بسبب اعتقاد شائع بأن انتهاء إحدى دوراته يعني نهاية العالم. لكن انتهاء الدورة كان في الأصل انتقالاً تقويمياً، ولم تتضمن نصوص المايا نبوءة مؤكدة بفناء العالم في ذلك التاريخ.

* تطورت فكرة النهاية الكونية بصورة أكثر تنظيماً في الديانة الزرادشتية، التي صورت التاريخ بوصفه صراعاً بين قوى الخير والشر. وينتهي هذا الصراع بانتصار الخير وتجديد العالم بصورة نهائية.

* تعرف عملية التجديد النهائي في الزرادشتية باسم «فراشوكرتي»، وفيها يطهر العالم من الشر والفساد ويستعيد حالته الكاملة. وترتبط هذه المرحلة بقيامة الموتى والحساب وتحول الخليقة.

* يظهر في المرويات الزرادشتية مخلص مستقبلي يدعى «سوشيانت»، يؤدي دوراً في هزيمة الشر وإحياء الموتى وتجديد العالم. وقد رأى بعض الباحثين تشابهاً بين هذه التصورات وأفكار ظهرت لاحقاً في ديانات المنطقة.

* يمثل أهريمان في المعتقد الزرادشتي قوة الشر والظلام المقابلة لأهورامزدا، المرتبط بالحكمة والخير. وتنتهي المواجهة الكونية بهزيمة الشر، فلا يبقى العالم خاضعاً للصراع إلى الأبد.

* لا يمكن الجزم بأن جميع أفكار القيامة والمخلص والحساب في الديانات اللاحقة مأخوذة مباشرة من الزرادشتية، لكن الاحتكاك التاريخي بين الشعوب الإيرانية واليهودية وغيرها قد أسهم في انتقال بعض المفاهيم وإعادة تفسيرها.

* أعطت اليهودية والمسيحية والإسلام لفكرة نهاية الزمان إطاراً توحيدياً، يقوم على أن التاريخ يسير نحو لحظة فاصلة بإرادة الله. وترتبط هذه اللحظة بالحساب والعدل وظهور علامات أو أحداث استثنائية.

* لا توجد صيغة يهودية واحدة لنهاية الزمان، إذ تطورت التصورات عبر نصوص ومدارس متعددة. وتشمل بعض الأفكار ظهور المسيح المنتظر، وتجميع بني إسرائيل، وإقامة العدل، وقيامة الموتى، ومحاسبة البشر.

* يظهر تعبير «يوم الرب» في نصوص الأنبياء العبرانيين بوصفه يوماً للتدخل الإلهي والحساب. وقد يحمل معنى العقاب على الظلم، أو إنقاذ المؤمنين، أو إقامة نظام أكثر عدلاً بعد مرحلة من الاضطراب.

* ينتظر كثير من اليهود مجيء «المشيح»، وهو ملك أو قائد من نسل داود يعيد الحكم العادل ويحقق السلام. ولا تنظر اليهودية التقليدية إليه بوصفه إلهاً أو كائناً نازلاً من السماء، بل إنساناً يقود مرحلة تاريخية جديدة.

* ترتبط بعض التصورات اليهودية المتأخرة بإعادة بناء الهيكل في القدس، لكن الموقف من هذه الفكرة يختلف بين التيارات اليهودية. كما لا يتفق جميع اليهود على تفاصيل الأحداث التي يفترض أن تسبق العصر المسيحاني.

* تتحدث بعض النصوص اليهودية عن حرب «جوج وماجوج» بوصفها صراعاً يقع في أواخر الأيام. أما «هرمجدون» بصيغتها المعروفة، فتظهر أساساً في سفر الرؤيا المسيحي وترتبط باسم منطقة مجدو.

* تقوم العقيدة المسيحية عن نهاية الزمان على الإيمان بالمجيء الثاني للمسيح، حيث يعود يسوع للفصل في التاريخ وإقامة الدينونة. وتختلف الكنائس في تفسير ما إذا كانت الأحداث المرتبطة بذلك حرفية أم رمزية.

* يظهر في بعض النصوص المسيحية خصم يعرف بالمسيح الدجال أو ضد المسيح، ويمثل التضليل والتمرد على الله. ولا تتفق المذاهب المسيحية على كونه شخصاً واحداً أو نظاماً أو رمزاً لقوى الشر.

* يرد اسم هرمجدون في سفر الرؤيا بوصفه موضعاً تتجمع فيه القوى لمعركة كبرى. وتحولت الكلمة في الثقافة العامة إلى تعبير عن الحرب النهائية أو الكارثة التي تهدد البشرية كلها.

* يرى بعض المفسرين المسيحيين أن هرمجدون معركة مستقبلية حرفية، بينما يعدها آخرون رمزاً للصراع المستمر بين الخير والشر. ولذلك لا تمثل التفسيرات السياسية الحديثة موقفاً موحداً لجميع المسيحيين.

* تشمل المرويات المسيحية قيامة الموتى والدينونة النهائية، حيث يحاسب البشر على أعمالهم. وترتبط النهاية بعد ذلك بظهور خلق جديد تزول منه المعاناة والموت بحسب التصور المسيحي.

* يعرف موضوع نهاية الزمان في الإسلام بأشراط الساعة، وهي العلامات التي تسبق قيام الساعة والحساب. ويؤكد القرآن أن موعد الساعة لا يعلمه إلا الله، ويحذر من محاولة تحديد وقتها.

* تقسم العلامات في المؤلفات الإسلامية عادة إلى علامات صغرى وكبرى، لكن هذا التقسيم جاء من جمع الأحاديث والشروح وليس نصاً قرآنياً مستقلاً. كما تختلف درجة صحة الروايات وتفسيرات العلماء لها.

* تشمل العلامات الكبرى المشهورة في المرويات الإسلامية ظهور المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع أحداث كونية كبرى.

* يقدم المسيح الدجال في الروايات الإسلامية بوصفه فتنة عظيمة تخدع الناس بما يظهر على يديه. ثم ينزل عيسى ابن مريم ويضع حداً لفتنته، قبل أن تمر البشرية بمراحل أخرى تسبق قيام الساعة.

* يظهر يأجوج ومأجوج في القرآن والسنة بوصفهما جماعتين تفسدان في الأرض وتخرجان في مرحلة من مراحل النهاية. وقد كثرت المحاولات التاريخية لتحديد هويتهما ومكانهما، من دون وجود اتفاق علمي أو ديني حاسم.

* لا يصف الإسلام قيام الساعة بأنه انتصار سياسي دائم لجماعة بشرية بعينها، بل نهاية للنظام الدنيوي كله. وبعد النفخ في الصور يبعث البشر للحساب، ويجازى كل إنسان بحسب إيمانه وأعماله.

* تحتل شخصية المهدي مكانة مهمة في روايات نهاية الزمان الإسلامية، لكن تفاصيلها تختلف بين السنة والشيعة. ولا يرد اسم المهدي في القرآن، وإنما يستند الاعتقاد به إلى الأحاديث والمرويات اللاحقة.

* يؤمن كثير من أهل السنة بظهور رجل صالح من أهل بيت النبي يسمى المهدي، يملأ الأرض عدلاً بعد انتشار الظلم. لكن العلماء اختلفوا في صحة بعض الروايات وفي مقدار التفاصيل التي يمكن إثباتها.

* يحتل المهدي موقعاً مركزياً في عقيدة الشيعة الإمامية الاثني عشرية، حيث يعتقدون أنه محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر، وأنه دخل في غيبة وسيظهر في آخر الزمان.

* تقسم العقيدة الإمامية غيبة المهدي إلى غيبة صغرى كان له خلالها ممثلون، ثم غيبة كبرى تستمر حتى موعد ظهوره. ويعتقد أتباعها أنه سيقيم العدل ويواجه قوى الظلم بالتعاون مع عيسى ابن مريم.

* تتضمن كتب الملاحم والفتن الشيعية روايات عن السفياني واليماني والصيحة السماوية والخسف في البيداء ومقتل النفس الزكية. لكن تفاصيل هذه العلامات ودرجة صحة أسانيدها موضع نقاش بين العلماء.

* لا يصح دمج جميع المسلمين في تصور سياسي واحد لنهاية الزمان، لأن المواقف تختلف بين المذاهب والمدارس والباحثين. كما يرفض كثيرون استخدام هذه الروايات لتفسير كل حرب أو أزمة سياسية معاصرة.

* تتشابه الديانات الإبراهيمية في الإيمان بالحساب وانتصار العدل وظهور أحداث فاصلة، لكنها تختلف في هوية المخلص ودور المسيح وطبيعة المعركة الأخيرة وتس