أخطر التسريبات بالتاريخ
* بدأت قصة ويكيليكس من لحظة مفصلية في عام ٢٠١٠، حين ظهر على الإنترنت مقطع عسكري سري صُوِّر من مروحية أباتشي أمريكية فوق بغداد، وارتبط بمقتل مدنيين وصحفيين من وكالة رويترز. أثار المقطع صدمة عالمية واسعة، ليس بسبب محتواه وحده، بل لأنه كشف أن هناك جهة قادرة على الوصول إلى ملفات عسكرية شديدة الحساسية ونشرها أمام الرأي العام.

* لم تكن خطورة التسريب في المقطع المصور فقط، بل في احتمال وجود مئات آلاف الوثائق السرية الأخرى الجاهزة للنشر. فتح ذلك الباب أمام واحدة من أكبر موجات التسريبات في التاريخ الحديث، إذ أصبحت الوثائق العسكرية والدبلوماسية الأمريكية مادة متاحة للصحافة والجمهور، وتحوّل اسم ويكيليكس إلى رمز عالمي لكشف أسرار الدول.

* ارتبط صعود ويكيليكس بمسيرة جوليان أسانج، الذي بدأ حياته في عالم الاختراقات الإلكترونية في أستراليا. في شبابه، استخدم أسماء مستعارة واخترق أنظمة تابعة لجهات كبرى مثل ناسا والبنتاغون وشركات تقنية، لكنه لم يُعرف عنه في تلك القضايا أنه سرق أموالاً أو دمّر أنظمة، بل كان مدفوعاً بالفضول التقني والرغبة في معرفة ما تخفيه المؤسسات الكبرى.

* شكّلت محاكمة أسانج في أستراليا نقطة تحول في تفكيره، إذ خرج منها بغرامة مالية من دون سجن، بعدما رأت المحكمة أن أفعاله لم تتجاوز الفضول الذكي. من تلك المرحلة بدأ يتبلور لديه اعتقاد بأن الحكومات لا تخفي أسرارها دائماً لحماية الشعوب، بل كثيراً ما تفعل ذلك لحماية نفسها من المساءلة.

* انتقل أسانج من عالم الاختراق إلى عالم التشفير وحرية المعلومات، وشارك في بيئات تقنية تهدف إلى حماية الأفراد من رقابة الحكومات. ساهم في مشاريع مرتبطة بالتشفير، وكتب في قضايا الخصوصية الرقمية، وتبنّى فكرة أن الصراع القادم لن يكون محصوراً في الصواريخ والجيوش، بل سيكون صراعاً على المعلومات والبيانات.

* تأسس موقع ويكيليكس عام ٢٠٠٦ بوصفه منصة لنشر الوثائق المسربة من دون كشف هوية المرسلين. اعتمدت فكرته على الجمع بين التشفير القوي والبنية القانونية المعقدة، بحيث يصعب إغلاق الموقع أو ملاحقة مصادره بسهولة. كان الهدف المعلن أن يجد الموظفون أو العسكريون أو المطلعون على الأسرار مكاناً آمناً لكشف ما يرونه حقائق مخفية.

* جاءت التسريبات الأولى لويكيليكس من ملفات مرتبطة بحكومات وجهات سياسية ومصرفية، وشملت وثائق عن أوامر اغتيال وقوائم تصفية وملفات عن تهرب ضريبي. ساعدت هذه التسريبات على شهرة الموقع، وأظهرت أن بإمكان منصة رقمية صغيرة أن تضع حكومات ومؤسسات مالية كبرى في موقف دفاعي أمام العالم.

* أصبحت قضية بنك جوليوس بير السويسري من أوائل المواجهات القانونية المهمة مع ويكيليكس، بعدما حاول البنك إغلاق الموقع بسبب وثائق تتعلق بالتهرب الضريبي. أدى قرار الإغلاق إلى نتيجة عكسية، إذ عاد الموقع عبر خوادم بديلة وانتشرت القضية بشكل أوسع، ما عزز صورة ويكيليكس كمنصة يصعب إسكاتها بالوسائل التقليدية.

* دخلت ويكيليكس مرحلة أكثر خطورة مع ظهور برادلي ماننغ، الذي عُرف لاحقاً باسم تشيلسي ماننغ، وكان يعمل محللاً للمعلومات في قاعدة عسكرية أمريكية في العراق. استطاع ماننغ الوصول إلى كميات ضخمة من الوثائق العسكرية والدبلوماسية، ونقلها بطريقة سرية، لتصبح لاحقاً مادة لأكبر تسريبات عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة.

* حملت تسريبات حرب أفغانستان عام ٢٠١٠ عشرات آلاف الوثائق التي كشفت تفاصيل ميدانية عن العمليات العسكرية، بما في ذلك معلومات عن وحدات خاصة وقوائم أهداف ووقائع مرتبطة بسقوط مدنيين. أظهرت هذه الملفات جانباً من الحرب لم يكن ظاهراً في البيانات الرسمية، وفتحت نقاشاً واسعاً حول الشفافية والمساءلة في الحروب.

* جاءت سجلات حرب العراق بوصفها ضربة أكبر، إذ تضمنت مئات آلاف الوثائق عن العمليات العسكرية والحوادث الميدانية والضحايا. كشفت هذه السجلات أرقاماً وتفاصيل تتعلق بضحايا مدنيين وعسكريين، كما أظهرت تناقضاً بين ما كان يُعلن رسمياً وما كانت توثقه الملفات العسكرية الداخلية.

* كشفت البرقيات الدبلوماسية الأمريكية وجهاً آخر للسياسة الدولية، إذ ظهرت مراسلات سرية تتعلق بمواقف قادة ومسؤولين ودبلوماسيين من قضايا حساسة. أظهرت التسريبات أن التصريحات العلنية لا تعكس دائماً المواقف الحقيقية خلف الأبواب المغلقة، وأن العلاقات الدولية تقوم أحياناً على حسابات ومساومات لا يعرفها الجمهور.

* واجهت ويكيليكس بعد تلك التسريبات حصاراً مالياً وتقنياً واسعاً، شمل تجميد حسابات ومنع التبرعات وإزالة خدمات الاستضافة. لم تكن المواجهة مع الحكومة الأمريكية وحدها، بل دخلت فيها شركات دفع إلكتروني وخدمات إنترنت كبرى، ما كشف حجم الترابط بين السلطة السياسية والبنية الرقمية التي تتحكم في بقاء المنصات أو اختفائها.

* تحوّلت قضية جوليان أسانج من معركة نشر وتسريبات إلى مطاردة قانونية وسياسية معقدة. صدرت بحقه مذكرات وتهم ومطالبات بتسليمه، بينما رأى أنصاره أن القضايا المرفوعة ضده تحمل طابعاً سياسياً يهدف إلى إسكاته ومعاقبته على نشر الوثائق، لا إلى محاسبته على جريمة عادية فقط.

* لجأ أسانج عام ٢٠١٢ إلى سفارة الإكوادور في لندن، بعدما شعر أن تسليمه قد يفتح الطريق أمام نقله إلى الولايات المتحدة. منحته الإكوادور اللجوء السياسي، فتحولت السفارة إلى مقر إقامة قسري لسنوات طويلة، عاش خلالها تحت مراقبة شديدة وفي ظروف صعبة، من دون قدرة حقيقية على الحركة أو العودة إلى حياته الطبيعية.

* عاشت السلطات البريطانية واحدة من أطول عمليات المراقبة حول سفارة الإكوادور، إذ بقي أسانج محاصراً عملياً داخل مبنى دبلوماسي صغير. ومع مرور الوقت، أصبح وجوده داخل السفارة عبئاً سياسياً على الإكوادور وبريطانيا والولايات المتحدة، وتحولت قضيته إلى رمز عالمي للصراع بين حرية النشر وأمن الدولة.

* زادت أزمة أسانج بعد تسريبات حملة هيلاري كلينتون عام ٢٠١٦، إذ اتُّهمت ويكيليكس بلعب دور في التأثير على الانتخابات الأمريكية. ربطت أجهزة أمريكية تلك التسريبات بروسيا، بينما تمسّك أسانج بأن نظام استقبال الوثائق في ويكيليكس لا يسمح له بمعرفة هوية المصدر، ما جعل القضية جزءاً من ملف سياسي أكبر داخل الولايات المتحدة.

* تدهورت علاقة أسانج بالإكوادور مع وصول قيادة سياسية جديدة، وتغيرت شروط إقامته داخل السفارة. فُرضت عليه قيود على الاتصالات والزيارات، وظهرت لاحقاً اتهامات بأن شركة أمنية كانت تراقب لقاءاته مع محاميه وتنقل معلومات عنه، ما زاد الإحساس بأن وجوده داخل السفارة لم يعد آمناً كما كان في البداية.

* جاءت تسريبات Vault ٧ عام ٢٠١٧ لتفتح مواجهة أخطر مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إذ تضمنت وثائق عن أدوات اختراق وبرامج تجسس إلكترونية منسوبة للوكالة. كشفت هذه الملفات عن قدرة الأجهزة الاستخباراتية على استغلال الثغرات في الهواتف والحواسيب والتلفزيونات الذكية، وفتحت نقاشاً واسعاً حول حدود الأمن السيبراني وحق المستخدمين في الحماية.

* أثارت وثائق Vault ٧ سؤالاً خطيراً حول تعامل أجهزة الاستخبارات مع الثغرات التقنية. فبدلاً من إبلاغ الشركات بها لحماية المستخدمين، قد تُترك بعض الثغرات مفتوحة لاستخدامها في عمليات تجسس أو اختراق، ما يعني أن ملايين الأشخاص قد يبقون معرضين للخطر لأن الثغرة مفيدة استخباراتياً.

* بعد تسريبات وكالة الاستخبارات المركزية، صُنفت ويكيليكس في الخطاب الأمريكي كجهة معادية ذات طابع استخباراتي، لا كمنصة نشر عادية. فتح هذا التصنيف الباب أمام محاولات قانونية لتجاوز الحماية التقليدية الممنوحة للصحافة والنشر، وأثار مخاوف من أن تؤدي ملاحقة أسانج إلى سابقة خطيرة ضد الصحفيين والناشرين حول العالم.

* انتهى لجوء أسانج في سفارة الإكوادور بعد سنوات من العزلة، ودخلت الشرطة البريطانية المبنى واعتقلته أمام عدسات الكاميرات. بدا المشهد كأنه نهاية فصل طويل من المواجهة، لكنه في الحقيقة فتح فصلاً جديداً داخل المحاكم والسجون، مع استمرار الولايات المتحدة في المطالبة بمحاكمته على خلفية التسريبات.

* قضى أسانج فترة قاسية في سجن بلمارش البريطاني، وهو سجن شديد الحراسة يضم متهمين في قضايا خطيرة. تدهورت صحته الجسدية والنفسية خلال تلك المرحلة، وحذّر أطباء ومنظمات حقوقية من أن ظروف احتجازه قد تهدد حياته، بينما اعتبر مؤيدوه أن ما يتعرض له هو عقوبة سياسية طويلة قبل أي حكم نهائي.

* رفضت محكمة بريطانية في مرحلة من المراحل تسليمه إلى الولايات المتحدة بسبب مخاوف تتعلق بصحته النفسية وخطر تعرضه لظروف احتجاز قاسية. لكن المعركة القضائية استمرت عبر الاستئناف والضغط السياسي، وتحولت قضيته إلى ملف دولي تدخلت فيه منظمات حقوقية وصحف وشخصيات سياسية من دول متعددة.

* أصبحت قضية أسانج أكبر من شخص واحد أو موقع واحد، لأنها طرحت سؤالاً مركزياً: هل يحق للصحافة نشر وثائق سرية تكشف انتهاكات أو تناقضات حكومية، أم أن نشر هذه الوثائق يُعد تهديداً للأمن القومي؟ هذا السؤال ظل في قلب المعركة بين مؤيدي أسانج وخصومه، وبين من يرونه صحفياً ومن يرونه خطراً استخباراتياً.

* عاد أسانج إلى أستراليا عام ٢٠٢٤ بعد تسوية قانونية أنهت سنوات طويلة من المطاردة والسجن واللجوء. خرج من القضية منهكاً جسدياً وسياسياً، بينما بقيت ويكيليكس علامة فارقة في تاريخ التسريبات الرقمية، لأنها أثبتت أن وثيقة واحدة أو ملفاً واحداً قد يهز حكومة كاملة إذا وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة.

* تكشف قصة ويكيليكس أن عصر الأسرار الحكومية تغير جذرياً مع الإنترنت والتشفير والمنصات العابرة للحدود. لم تعد الوثائق محصورة داخل الخزائن والمكاتب المغلقة، بل يمكن أن تنتقل في لحظة إلى العالم كله، وتحوّل موظفاً مجهولاً أو ناشراً رقمياً إلى لاعب مؤثر في السياسة الدولية.

* تبقى تجربة أسانج وويكيليكس واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العصر الرقمي، فهي تجمع بين حرية الصحافة، وأمن الدول، وحق الشعوب في المعرفة، وخطر تسريب معلومات قد تمس حياة أفراد أو مصالح حساسة. وبين من يرى فيها انتصاراً للشفافية ومن يراها تهديداً للأمن، تظل القصة مثالاً حاداً على قوة المعلومة عندما تتحول إلى سلاح.
الفيديو الأصلي - أبو الصادق
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة