* تعيش اليابان تحولاً عسكرياً لافتاً بعد عقود طويلة من التزامها بصورة الدولة السلمية التي ركزت على الاقتصاد أكثر من القوة الصلبة. هذا التحول يرتبط بإحساس متزايد داخل طوكيو بأن البيئة الأمنية في المحيطين الهندي والهادئ أصبحت الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن الاعتماد على العقيدة الدفاعية التقليدية لم يعد كافياً أمام صعود الصين وتوتر مضيق تايوان وتجارب كوريا الشمالية الصاروخية.
* تنظر طوكيو إلى جزرها الجنوبية الغربية بوصفها خط الدفاع الأول في أي نزاع محتمل حول تايوان أو بحر الصين الشرقي. لذلك بدأت بتحويل جزر مثل يوناغوني وإشيغاكي ومياكو إلى مواقع عسكرية متقدمة تضم منظومات صاروخية ورادارية وحرباً إلكترونية، قادرة على مراقبة التحركات الصينية واعتراض الطائرات والصواريخ والسفن في منطقة شديدة الحساسية.
* تقع جزيرة يوناغوني على مسافة قريبة جداً من تايوان، ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية كبيرة في أي سيناريو عسكري محتمل بمضيق تايوان. نشر منظومات دفاع جوي وصواريخ متطورة ووحدات حرب إلكترونية في هذه الجزيرة يمنح اليابان قدرة على مراقبة الاتصالات والرادارات والتحركات العسكرية الصينية في بحر الصين الشرقي ومحيط تايوان.
* لا ترى الصين هذه التحركات اليابانية بوصفها إجراءات دفاعية فقط، بل تقرؤها باعتبارها عسكرة مباشرة لمنطقة قريبة من تايوان واستفزازاً يهدد أمنها القومي. وقد زادت حدة التوتر بعد تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بأن أي هجوم صيني على تايوان قد يهدد بقاء اليابان، وهو ما قد يفتح الباب أمام رد عسكري ياباني.
* تجاوزت اليابان في السنوات الأخيرة حدود الدور الدفاعي التقليدي، وشاركت في مناورات عسكرية قتالية واسعة مع الولايات المتحدة في أوكيناوا والجزر الجنوبية الغربية. مشاركة آلاف الجنود واستخدام صواريخ كروز وتجربة منظومات أمريكية مثل تايفون على الأراضي اليابانية تعكس انتقالاً تدريجياً من سياسة الحذر العسكري إلى سياسة الردع النشط.
* تمثل منظومة تايفون الأمريكية التي نُشرت في اليابان نقطة حساسة في الصراع، لأنها قادرة على إطلاق صواريخ توماهوك بمدى يصل إلى نحو ١٦٠٠ كيلومتر. وجود هذه المنظومة قرب الصين يجعل بكين ترى اليابان جزءاً من شبكة ردع أمريكية متقدمة، لا مجرد دولة تدافع عن جزرها وحدودها البحرية.
* لم تكتف الصين بالاحتجاج الدبلوماسي، بل استخدمت أدوات ضغط اقتصادية وسياسية ضد اليابان. شملت هذه الضغوط قيوداً غير معلنة على تصدير المعادن النادرة، وحظراً على بعض المنتجات البحرية، وتصاعد حملات المقاطعة للسيارات والإلكترونيات اليابانية داخل السوق الصينية، إلى جانب تحذيرات سفر وإلغاء برامج تبادل طلابي وثقافي.
* ترتبط حساسية الصين تجاه اليابان بذاكرة تاريخية عميقة تعود إلى الغزو الياباني للصين في ثلاثينيات القرن العشرين. لذلك لا تُقرأ عودة اليابان إلى التسلح من زاوية الحاضر فقط، بل من خلال تاريخ طويل من الحرب والاحتلال والدمار، ما يجعل أي تحرك عسكري ياباني يثير مخاوف سياسية ونفسية داخل الصين.
* تقع الصين جغرافياً خلف ما يُعرف بسلسلة الجزر الأولى، الممتدة من اليابان شمالاً مروراً بتايوان وصولاً إلى الفلبين. هذه السلسلة تشكل حاجزاً طبيعياً أمام حرية حركة البحرية الصينية نحو عمق المحيط الهادئ، ولذلك فإن عسكرة اليابان لجزرها الجنوبية تعني عملياً تضييق الخناق على حركة السفن والغواصات الصينية في أي مواجهة مستقبلية.
* تحتضن اليابان عدداً ضخماً من القواعد الأمريكية، وتضم أكثر من خمسين ألف جندي أمريكي، كما تستضيف مقر الأسطول السابع الذي يغطي مساحة هائلة من المحيطين الهندي والهادئ. لذلك ترى الصين أن أي مواجهة مع اليابان لن تكون مواجهة مع طوكيو وحدها، بل مع المنظومة العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
* توطدت علاقة اليابان بالولايات المتحدة في عهد ساناي تاكايتشي، خصوصاً مع إدارة دونالد ترامب. تعهدت طوكيو باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، وجددت واشنطن التزامها بالدفاع عن اليابان، بما في ذلك مظلة الردع النووي، ما جعل التحالف بين الطرفين أكثر حضوراً في حسابات الصين الأمنية.
* لا يقتصر القلق الياباني على الصين وحدها، فهناك كوريا الشمالية التي تجري تجارب صاروخية متكررة وتمتلك قدرات مرتبطة بالرؤوس النووية، وهناك روسيا التي تربطها علاقات وثيقة مع الصين وكوريا الشمالية. وبما أن اليابان دولة جزرية تعتمد على البحر في وارداتها، فإن أي اضطراب في الممرات البحرية يمكن أن ينعكس مباشرة على اقتصادها وأمنها.
* تعمل اليابان على بناء شبكة تحالفات إقليمية مع كوريا الجنوبية والفلبين، رغم التاريخ المتوتر بينها وبينهما بسبب الماضي الاستعماري والحرب العالمية الثانية. هذا التقارب يعكس إدراكاً مشتركاً بأن صعود الصين وتزايد التوتر في البحار المحيطة يتطلب تجاوز الذاكرة القديمة وبناء ترتيبات أمنية جديدة.
* شكل ظهور الجيش الياباني في مناورات مشتركة مع الفلبين تحولاً لافتاً في السياسة الدفاعية اليابانية. فالفلبين نفسها عانت من الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، لكن التوتر الحالي مع الصين في بحر الصين الجنوبي دفع الطرفين إلى التعاون العسكري، في مشهد يكشف تغير الأولويات الأمنية في آسيا.
* بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي عام ١٩٤٥، أُدرجت المادة التاسعة في الدستور الياباني، وهي مادة تنبذ الحرب كحق سيادي وتحظر استخدام القوة لتسوية النزاعات الدولية. لكن الواقع الأمني الجديد دفع طوكيو إلى إعادة تفسير هذه القيود تدريجياً عبر تعزيز قوات الدفاع الذاتي.
* حافظت اليابان لعقود على قوات الدفاع الذاتي كقوة عسكرية فعلية لكنها مقيدة دستورياً وقانونياً. ومع مرور الوقت، بدأت هذه القيود تخف تدريجياً، من السماح بتصدير معدات غير فتاكة عام ٢٠١٤، إلى السماح لاحقاً بتصدير معدات عسكرية مصنعة محلياً وفق تراخيص أجنبية، ثم فتح الباب أمام تصدير أسلحة فتاكة بشروط محددة.
* يمثل تعديل قواعد تصدير السلاح خطوة تاريخية في السياسة اليابانية، لأنه ينقل اليابان من دولة تستهلك السلاح لأغراض دفاعية إلى دولة قادرة على المشاركة في سوق الصناعات العسكرية الدولية. وتشمل قائمة الدول المؤهلة للتعاون الدفاعي مع اليابان الولايات المتحدة وقوى أوروبية وآسيوية، مع استثناء الدول التي تخوض صراعات مسلحة نشطة.
* رفعت اليابان إنفاقها الدفاعي إلى نحو ٢% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يقارب ٥٨ مليار دولار سنوياً. هذا المستوى من الإنفاق يجعلها ضمن أكبر الدول إنفاقاً على الدفاع عالمياً، ويعكس رغبة في بناء قوة عسكرية نوعية تعتمد على التكنولوجيا والردع الصاروخي والحرب الإلكترونية أكثر من الاعتماد على الكثافة البشرية.
* يحتل الجيش الياباني موقعاً متقدماً بين الجيوش غير النووية، فهو لا يعتمد على عدد ضخم من الجنود، بل على الكفاءة والتكنولوجيا والتكامل بين القوات الجوية والبحرية والبرية. تمتلك اليابان أسطولاً جوياً متقدماً، وغواصات حديثة شديدة الهدوء، ومدمرات متطورة، ودبابات محلية مثل تايب ١٠ وتايب ٩٠.
* تعمل اليابان على تطوير قدراتها الجوية عبر مشروع مقاتلة من الجيل السادس بالتعاون مع بريطانيا وإيطاليا، يفترض أن تدخل الخدمة في عام ٢٠٣٥. هذه المقاتلة ستدمج الذكاء الاصطناعي وقدرات قيادة أسراب من الطائرات المسيرة، ما يعكس انتقال اليابان إلى مستوى متقدم من الحرب الجوية المستقبلية.
* يمنح تطوير صاروخ تايب ١٢ الياباني بمدى يتجاوز ١٠٠٠ كيلومتر طوكيو قدرة جديدة على الضربة المضادة، خصوصاً لحماية الجزر النائية واستهداف السفن الحربية الكبيرة عند الضرورة. هذه القدرة تمثل تحولاً حساساً، لأنها تجعل اليابان قادرة على الرد خارج نطاق الدفاع المباشر عن الأرض اليابانية.
* يمثل دمج الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والقدرات الفضائية ضمن شبكة قتالية واحدة أحد أكثر الجوانب حساسية في التحول العسكري الياباني. هذه المنظومة تمنح القوات اليابانية قدرة أسرع على كشف التهديدات والاستجابة لها، لكنها في الوقت نفسه تزيد مخاوف الصين من تحول اليابان إلى قاعدة متقدمة في شبكة القتال الأمريكية.
* لا يزال الرأي العام الياباني يحمل حساسية قوية تجاه عسكرة البلاد، بسبب ذاكرة الحرب العالمية الثانية وتجربة الدمار النووي. لذلك تظهر احتجاجات داخل اليابان ضد الحرب وضد التوسع العسكري، ما يجعل الحكومة مضطرة إلى تبرير سياساتها بوصفها دفاعاً عن الأمن القومي لا عودة إلى العسكرة القديمة.
* تنظر الصين إلى التحركات اليابانية بوصفها جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع في المحيطين الهندي والهادئ. فالولايات المتحدة تعتمد أكثر على حلفائها الإقليميين مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والهند والفلبين، ضمن شبكة تحالفات تهدف إلى احتواء النفوذ الصيني ومنع هيمنة بكين على الممرات البحرية الحيوية.
* تمتلك الصين تفوقاً كمياً كبيراً في عدد الجنود والسفن والصواريخ مقارنة باليابان، لكن اليابان تمتلك تفوقاً نوعياً في التكنولوجيا والدقة والاندماج مع القدرات الأمريكية. وفي أي مواجهة مباشرة، لن تكون المقارنة بين الصين واليابان وحدهما، لأن دخول الولايات المتحدة سيغير ميزان القوى بالكامل.
* قد لا تكون اليابان مستعدة سياسياً لإطلاق الرصاصة الأولى في أي نزاع حول تايوان، لكن ترسانتها الجديدة قد تجعلها قاعدة دعم متقدمة للقوات الأمريكية أو طرفاً مباشراً في حالة تهديد أمنها وبقائها. هذا الغموض بالذات يزيد قلق الصين، لأنه يجعل قواعد الاشتباك أقل وضوحاً وأكثر قابلية للانفجار.
* تسعى اليابان أيضاً إلى توسيع دور صناعاتها الدفاعية، مستفيدة من تقدمها التكنولوجي وقدرتها على إنتاج معدات عالية الجودة. ومع استنزاف المخزونات الغربية بسبب الحرب في أوكرانيا وحروب الشرق الأوسط، يمكن أن تصبح اليابان مورداً مهماً للأسلحة وقطع الغيار لحلفائها.
* يظل الحياد خياراً صعباً لليابان في ظل موقعها الجغرافي وتحالفها العميق مع الولايات المتحدة واعتمادها على الممرات البحرية. فالتوتر في مضيق تايوان أو بحر الصين الشرقي أو بحر الصين الجنوبي لا يهدد الصين والولايات المتحدة وحدهما، بل يهدد الاقتصاد الياباني مباشرة بسبب اعتماده على التجارة البحرية والطاقة المستوردة.
* تدخل اليابان مرحلة جديدة من تاريخها الأمني، بين إرث دستوري سلمي وواقع إقليمي شديد التوتر. وإذا نجحت في بناء ردع متوازن فقد تمنع الحرب، أما إذا تحولت إلى رأس حربة في الصراع الأمريكي الصيني، فقد تجد نفسها في مواجهة واسعة تعيد إلى آسيا أسئلة الحرب الكبرى التي حاولت اليابان طويلاً دفنها بعد عام ١٩٤٥.