انفجارات تعادل ملايين القنابل النووية
* في ١٣ مارس ١٩٨٩، استيقظ ملايين السكان في مقاطعة كيبك الكندية على انقطاع واسع للكهرباء بسبب عاصفة شمسية قوية. لم يكن السبب عطلاً عادياً في الشبكة، بل انفجاراً هائلاً على الشمس أرسل نحو الأرض سحابة من الجزيئات المشحونة كهربائياً.

* العواصف الشمسية ليست ظاهرة بعيدة لا تمس حياتنا، بل خطر طبيعي قادر على تعطيل الكهرباء والاتصالات والأقمار الاصطناعية وأنظمة الملاحة. ومع اعتماد العالم الحديث على الشبكات الكهربائية والرقمية، أصبحت الشمس نفسها جزءاً من حسابات الأمن والبنية التحتية.

* تنشأ العواصف الشمسية من نشاط عنيف في الغلاف الخارجي للشمس، حيث تتحرك البلازما شديدة الحرارة داخل حقول مغناطيسية معقدة. وعندما تتراكم الطاقة في هذه الحقول ثم تتحرر فجأة، قد تنطلق انفجارات تعادل طاقتها ملايين القنابل النووية.

* لا تمثل الشمس مصدراً للضوء والحرارة فقط، بل نجماً نشطاً ومتقلباً. ففي قلبها تحدث تفاعلات نووية ضخمة، وعلى سطحها تتحرك مادة مشحونة ومغناطيسية على نحو دائم، ما يجعلها قادرة على إطلاق طقس فضائي شديد التأثير.

* الطقس الفضائي هو النشاط الذي يحدث في الفضاء القريب من الأرض، وغالباً ما يكون مصدره الشمس. ومن أهم مظاهره الرياح الشمسية، وهي تدفق مستمر من الجزيئات المشحونة التي تغمر النظام الشمسي وتظهر آثارها الجميلة أحياناً في الشفق القطبي.

* تصبح المشكلة خطيرة عندما يتحول النشاط الشمسي المعتاد إلى انبعاث كتلي إكليلي، وهو انفجار ضخم يطلق فقاعات هائلة من الجزيئات المشحونة نحو الفضاء. وإذا اتجهت هذه الفقاعات إلى الأرض، فقد تتفاعل مع المجال المغناطيسي والغلاف الجوي وتسبب اضطرابات واسعة.

* تستطيع الانبعاثات الكتلية الإكليلية أن تحرق دوائر إلكترونية في الأقمار الاصطناعية، وتعطل الاتصالات، وتؤثر في أنظمة تحديد المواقع، وتعرض رواد الفضاء لإشعاع خطر. لذلك لا يتعلق التنبؤ بها بالعلم النظري وحده، بل بسلامة البشر والتقنيات التي يعتمدون عليها.

* قد تسبب العواصف الشمسية القوية تيارات كهربائية غير طبيعية في الشبكات الأرضية، ما يؤدي إلى إجهاد المحولات وانقطاع الكهرباء. وإذا طال الانقطاع، تتأثر المياه والصرف الصحي والمستشفيات والتجارة والخدمات الأساسية، وقد تمتد الخسائر إلى تريليونات الدولارات.

* تختلف العواصف الشمسية في سرعتها وقوتها؛ فبعضها بطيء يمنح الأرض عدة أيام للاستعداد، وبعضها سريع جداً لا يترك إلا ساعات قليلة. وفي أسوأ الحالات قد لا تتوافر إلا عشرون دقيقة فقط لتقدير حجم الخطر، وهي مدة قصيرة جداً لحماية بنية تحتية معقدة.

* لذلك تسعى وكالات الفضاء والحكومات إلى تحسين التنبؤ بالطقس الفضائي. فالهدف ليس منع العاصفة، فهذا مستحيل، بل معرفة موعد وصولها وشدتها واتجاهها كي تُتخذ إجراءات لحماية الأقمار الاصطناعية والشبكات الكهربائية ورواد الفضاء.

* تعتمد مراقبة الطقس الفضائي على رصد الشمس باستمرار وتحليل الصور والبيانات القادمة من المركبات الفضائية. عندما يظهر انفجار على سطح الشمس، يحاول العلماء تحديد اتجاهه وسرعته ومعرفة ما إذا كان سيضرب الأرض أم يمر بعيداً عنها.

* في سبتمبر ٢٠١٧، أطلقت الشمس عاصفة قوية عطلت ترددات طوارئ إذاعية في منطقة الكاريبي أثناء إعصار، ما أثر في جهود الإنقاذ لساعات. هذا المثال يبين أن العواصف الشمسية لا تأتي منفصلة عن كوارث الأرض، بل قد تزيد أثرها عندما تضرب في توقيت حساس.

* ترتبط العواصف الشمسية بحركة البلازما والحقول المغناطيسية في الشمس. فالبلازما، وهي غاز شديد الحرارة من الجزيئات المشحونة، تتحرك باستمرار وتتأثر بدوران الشمس، حيث يدور خط الاستواء بسرعة مختلفة عن القطبين.

* يؤدي اختلاف الدوران إلى تمدد الحقول المغناطيسية والتوائها وتراكم الضغط داخلها. وعندما يبلغ التوتر مستوى حرجاً، قد تنفجر الحلقات المغناطيسية مطلقة كميات هائلة من الطاقة والجزيئات المشحونة إلى الفضاء.

* يشبه بعض العلماء هذا الانفجار بفقاعة داخلية يرتفع ضغطها حتى تتمزق. فالحقل المغناطيسي القوي قد يكسر البنية المحيطة ويدفع سحابة من البلازما إلى الخارج، فتظهر العاصفة الشمسية كقذف ضخم من مادة الشمس.

* يحاول باحثون محاكاة هذه الظواهر داخل المختبر بصنع حلقات بلازما صغيرة في حجرات فراغية ومجالات مغناطيسية قوية. ورغم أن التجارب أصغر من الشمس بمليارات المرات، فإنها تكشف المبادئ الأساسية لانفجار الحقول المغناطيسية.

* تساعد التجارب المخبرية على فهم اللحظة التي يصل فيها الحقل المغناطيسي إلى درجة من الإجهاد تؤدي إلى الانقطاع والانفجار. فإذا فُهمت هذه اللحظة بدقة، يمكن أن يتحسن التنبؤ بالعواصف الشمسية قبل انطلاقها.

* لا يكفي أن يعرف العلماء كيف تنفجر العاصفة، بل يجب أن يعرفوا متى ولماذا تنفجر، وهل ستتجه نحو الأرض. هذا هو الجزء الأصعب، لأن الشمس مليئة بحركات مضطربة وبنى مغناطيسية معقدة لا تزال جوانب كثيرة منها غامضة.

* أطلقت ناسا مسبار باركر الشمسي في مهمة غير مسبوقة للاقتراب من الشمس أكثر من أي مركبة صنعها الإنسان. يدخل المسبار في مدارات بيضوية شديدة القرب من الشمس، ويحلل البلازما والحقول المغناطيسية داخل الغلاف الشمسي الخارجي.

* يعد مسبار باركر من أسرع الأجسام التي صنعها الإنسان، إذ يتحرك بسرعات هائلة قرب الشمس مستعيناً بجاذبية الزهرة لتعديل مداره. ورغم اقترابه الشديد، لا يستطيع البقاء طويلاً في أقرب نقطة بسبب الحرارة والإشعاع القاسيين.

* لا يلتقط باركر صوراً تفصيلية للشمس مثل التلسكوبات التقليدية، لأنه قريب جداً من الإشعاع الشمسي. لذلك يأتي دور مسبار سولار أوربيتر الأوروبي، المزود بكاميرات متطورة تسمح له بدراسة الشمس وهالتها من مسافة آمنة نسبياً.

* يعمل باركر وسولار أوربيتر معاً كعينين جديدتين للبشرية على الشمس. أحدهما يقيس الجسيمات والحقول من قرب، والآخر يلتقط صوراً دقيقة تساعد على ربط ما يحدث على السطح بما ينتقل عبر الفضاء.

* من أعظم ألغاز الشمس أن هالتها الخارجية أشد حرارة بكثير من سطحها. فالسطح تبلغ حرارته آلاف الدرجات، بينما تصل حرارة الهالة إلى ملايين الدرجات، وهذا يناقض الحدس اليومي الذي يقول إن الابتعاد عن مصدر الحرارة يجب أن يقلل السخونة.

* حير لغز حرارة الهالة العلماء لأكثر من قرن، لأن الهالة رقيقة جداً وصعبة الرصد، ومع ذلك تمتلك حرارة هائلة. وقد كشفت الصور الحديثة عن ومضات صغيرة في الهالة سميت “نيران المعسكر”، قد تكون جزءاً من تفسير هذه الحرارة الغامضة.

* نيران المعسكر هي دفعات قصيرة شديدة السطوع والحرارة في الهالة الشمسية، ويعتقد أنها تنشأ عندما تنكسر خطوط المجال المغناطيسي ثم تتصل من جديد. هذه العملية قد تضخ طاقة كبيرة في الهالة وتساعد على إبقائها شديدة السخونة.

* إذا كانت نيران المعسكر مرتبطة بإعادة اتصال الحقول المغناطيسية، فهي ليست مجرد ظاهرة حرارية، بل جزء من فهم أوسع للطاقة التي تقود العواصف الشمسية. فالمغناطيسية تبدو المفتاح المشترك بين حرارة الهالة والانفجارات الشمسية.

* تعد البقع الشمسية من أوضح المؤشرات على النشاط الشمسي. تظهر هذه البقع كمساحات معتمة نسبياً على سطح الشمس بسبب حقول مغناطيسية قوية، وغالباً تنشأ العواصف الشمسية الكبيرة داخلها أو قربها.

* عرف البشر البقع الشمسية منذ قرون، لكن فهم علاقتها بالعواصف تطور تدريجياً. ففي عام ١٨٥٩، رصد الفلكي ريتشارد كارينغتون انفجاراً شديداً مرتبطاً ببقع شمسية، وبعد ساعات ضربت الأرض عاصفة شمسية هائلة.

* عُرف ذلك الحدث باسم حدث كارينغتون، وهو أقوى عاصفة شمسية مسجلة ضربت الأرض. امتد الشفق القطبي حينها إلى مناطق بعيدة عن القطبين، وتعطلت شبكات التلغراف في زمن كانت فيه التقنيات الكهربائية ما تزال محدودة جداً.

* لو وقع حدث شبيه بكارينغتون في العصر الحالي، فقد تكون آثاره أوسع بكثير بسبب اعتماد العالم على الكهرباء والاتصالات والأقمار الاصطناعية. فالضرر لن يقتصر على أجهزة بعينها، بل قد يمتد إلى البنوك والمياه والملاحة والإنترنت والخدمات الحيوية.

* تمر الشمس بدورة نشاط تقارب ١١ عاماً، يزيد خلالها عدد البقع الشمسية ثم ينخفض. وعندما تزداد البقع، تزداد احتمالية العواصف الشمسية، لذلك يحاول العلماء متابعة الدورة الشمسية لمعرفة الفترات الأكثر خطراً.

* لا تعني زيادة البقع الشمسية أن عاصفة مدمرة ستحدث حتماً، لكنها ترفع الاحتمال. لذلك يظل التحدي في معرفة أي بقعة ستنفجر، ومتى ستنفجر، وهل سيكون اتجاه الانفجار نحو الأرض أم بعيداً عنها.

* يسعى بعض العلماء إلى رصد البقع الشمسية قبل أن تظهر على الجانب المواجه للأرض. فالشمس تدور حول نفسها، وقد تكون بقعة خطيرة موجودة على الجانب البعيد قبل أن نراها بأسبوع أو أسبوعين، وهذه المدة قد تمنح تحذيراً مبكراً ثميناً.

* تعتمد طريقة الرصد غير المباشر على الموجات الصوتية داخل الشمس، فيما يشبه علم الزلازل على الأرض. فالبقع الشمسية ذات الحقول المغناطيسية القوية تغير سرعة هذه الموجات، ويمكن تحليل الفروق الزمنية للكشف عن بقع مخفية على الجانب البعيد.

* إذا أمكن اكتشاف البقع الشمسية قبل ظهورها من الأرض، فسيحصل العلماء على وقت أطول للاستعداد لعواصف محتملة. قد يساعد ذلك في حماية الأقمار الاصطناعية، وتحذير رواد الفضاء، وتجهيز الشبكات الكهربائية قبل وصول الخطر.

* من المقرر أن تساهم مهمات جديدة مثل مسبار سمايل في فهم العلاقة بين الشمس والأرض. سيركز هذا المسبار على كيفية تفاعل الرياح والعواصف الشمسية مع المجال المغناطيسي والغلاف الأيوني للأرض.

* يمنح الجمع بين باركر وسولار أوربيتر وسمايل سلسلة مراقبة تمتد من الشمس إلى الأرض. بهذه الطريقة يمكن تتبع العاصفة من لحظة تشكلها، ثم انتقالها في الفضاء، ثم اصطدامها بغلافنا المغناطيسي وآثارها في الغلاف الجوي والتقنيات الأرضية.

* لا تهدف هذه المهمات إلى زرع الخوف من الشمس، بل إلى فهمها. فالشمس مصدر الحياة على الأرض، لكنها أيضاً نجم متقلب يمكن أن يطلق طاقة هائلة، والمعرفة هي الوسيلة الوحيدة للتعايش مع هذا الخطر.

* عندما يتحسن التنبؤ بالعواصف الشمسية، يمكن اتخاذ إجراءات وقائية مثل إيقاف بعض الأنظمة عالية الجهد مؤقتاً، أو تعديل أوضاع الأقمار الاصطناعية، أو إدخال رواد الفضاء إلى مناطق أكثر حماية. هذه الإجراءات قد تحول كارثة محتملة إلى حدث يمكن إدارته.

* العاصفة الشمسية المقبلة القوية ليست مسألة خيال علمي، بل احتمال طبيعي سيقع يوماً ما. الفارق بين الخسارة الكبرى والسيطرة الجزئية سيكون في مقدار ما نعرفه مسبقاً، وفي قدرة الأنظمة على الاستجابة بسرعة.

* يكشف علم الطقس الفضائي أن الأرض ليست معزولة عن الفضاء، بل تعيش داخل بيئة شمسية متغيرة. وما يحدث على سطح الشمس يمكن أن يصل أثره إلى محول كهربائي على الأرض أو قمر اصطناعي في المدار أو رائد فضاء في طريقه إلى القمر.

* التحدي العلمي الأكبر هو تحويل الشمس من نجم غامض متقلب إلى نظام يمكن توقع سلوكه جزئياً. وكلما فهم العلماء البلازما والحقول المغناطيسية والبقع الشمسية والهالة، اقتربوا من بناء نظام إنذار مبكر أكثر فعالية.

* لا تزال العواصف الشمسية من ألغاز العلم الكبرى لأن مصدرها واضح وهو الشمس، لكن تفاصيل تشكلها وانفجارها ووصولها إلى الأرض شديدة التعقيد. إنها تجمع بين الفيزياء الفلكية والبلازما والمغناطيسية وحماية البنية التحتية الحديثة.

* تمنحنا الشمس الضوء والحرارة والطاقة التي تجعل الحياة ممكنة، لكنها تذكرنا أيضاً بأن الحضارة التقنية هشة أمام قوى كونية لا تراها العين اليومية. لذلك لا يكفي أن نستخدم التكنولوجيا، بل يجب أن نفهم البيئة الفضائية التي يمكن أن تهددها.

* المعرفة المتزايدة بالشمس تجعل المستقبل أكثر أماناً. فبدلاً من أن نفاجأ بانقطاع واسع للكهرباء كما حدث في كيبك عام ١٩٨٩، قد نستطيع في المرات المقبلة أن نغلق الأنظمة الحساسة في الوقت المناسب ونحمي شبكاتنا من الضرر.

* الشمس ليست عدواً ينبغي الخوف منه، بل نجم يجب فهمه واحترام تقلباته. وكلما اقترب العلم من أسرارها، أصبح الإنسان أقدر على حماية حياته الحديثة من انفجارات كونية تبدأ على سطح نجم يبعد عنا ١٥٠ مليون كيلومتر.
الفيديو الأصلي - الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة