الصين وكوريا الشمالية
الصين وكوريا الشمالية
تجمع الصين وكوريا الشمالية علاقة معقدة بين التقارب الأيديولوجي والتحالف التاريخي وانعدام الثقة المتبادل. فقبل تأسيس الدولتين، كاد الشيوعيون الصينيون في ثلاثينيات القرن الماضي أن يعدموا كيم إيل سونغ، الزعيم المؤسس لكوريا الشمالية، بتهمة الولاء لليابان. وبعد عقدين فقط، أنقذت بكين نظام الرجل نفسه الذي كادت أن تنهي حياته، وأرسلت أكثر من مليون جندي صيني لحماية كوريا الشمالية من الانهيار. هذا التناقض بين الواقعتين زرع بذرة عدم ثقة لم تمح بين البلدين.

بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥، انقسمت شبه الجزيرة الكورية، التي كانت تحتلها طوكيو منذ عام ١٩١٠، إلى دولتين: جنوبية منحازة إلى المعسكر الغربي، وشمالية شيوعية تميل إلى المعسكر الشرقي. ومع انتصار الثورة الشيوعية وإعلان جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩، أسس البلدان علاقات رسمية، لكن الخلاف بدأ سريعاً مع دخول كوريا الشمالية عام ١٩٥٠ حرباً ضد جارتها الجنوبية بهدف توحيد الدولتين، من دون استشارة بكين التي كانت تعاني حينها آثار حرب أهلية وأزمات اقتصادية.

تبنت الصين في البداية موقفاً سلبياً من الحرب، لكن مع اشتداد المعارك ووصول بيونغ يانغ إلى حافة الهزيمة أمام قوات الأمم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة، قررت بكين التدخل وإنقاذ نظام كيم إيل سونغ، فأرسلت ملايين الجنود الذين عرفوا باسم المتطوعين الشعبيين الصينيين. وفي مقابل هذا الإنقاذ، أرادت بكين التحكم بالعمليات، فتولى القائد الصيني بنغ ده هواي قيادة العمليات الميدانية، وعبّر عن عدم ثقته بقادة الجيش الكوري الشمالي واصفاً إياهم بالطفولية.

انتهت الحرب عام ١٩٥٣ من دون منتصر واضح، وعاد التوتر بين البلدين بعد أن ألقى قادة كوريا الشمالية باللوم على الصين في فشل إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، وقللوا من أهمية مساهمة بكين في الحرب، وبدأوا في بناء أسطورتهم المنفردة. وبعد الحرب، وأملاً في التخلص من نفوذ الصين والاتحاد السوفيتي على كوريا الشمالية، تبنى كيم إيل سونغ عام ١٩٥٥ ما سماه فلسفة جوتشي، أو سياسة الاعتماد على الذات، وهو ما أثار غضب بكين إلى درجة التفكير في الإطاحة به. ووفق وثائق مسربة من الأرشيف السوفيتي نشرها مركز ويلسون الأمريكي، فكر الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في استخدام ٤٠٠ ألف جندي صيني موجودين في كوريا الشمالية للضغط على كيم إيل سونغ حتى يتراجع عن مساره.

رغم كل هذا التوتر وانعدام الثقة، كانت حاجة البلدين إلى بعضهما أكبر من أن يفترقا. ففي خضم الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، واصلا تحالفهما، ووقعا عام ١٩٦١ معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة، التي تلزم بكين بالدفاع عن بيونغ يانغ إذا تعرضت لهجوم خارجي. وتعد هذه المعاهدة الدفاعية الوحيدة في تاريخ الصين حتى اليوم، وتتجدد كل ٢٠ عاماً، وكان آخر تجديد لها عام ٢٠٢١.

لكن بيونغ يانغ لم تكتف برمي كرة الدفاع عنها في ملعب بكين، بل استغلت الخلاف الصيني السوفيتي ووقعت اتفاقية مماثلة مع موسكو، في رسالة واضحة عنوانها التوازن وعدم الانحياز المطلق لأي من الراعيين الشيوعيين. واستخدمت كوريا الشمالية هذه المواءمة في علاقاتها مع الصين على مدار سنوات؛ ففي أوائل الستينيات، عندما رأت بيونغ يانغ القيادة السوفيتية تتراجع أمام الولايات المتحدة في أزمة الصواريخ الكوبية عام ١٩٦٢، تقاربت مع بكين، لكن حين أطيح بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بعد عامين، تغير الحال وعادت للتقارب مع موسكو من جديد.

خلال تلك الفترة زاد التوتر بين بكين وبيونغ يانغ بعد محاولات صينية لفرض أجواء الثورة الثقافية على جارتها، وبلغ الأمر ذروته بعد اشتباك عسكري بين الجيشين الصيني والكوري الشمالي قرب جبل باكتو الحدودي عام ١٩٦٩. وفي الثمانينيات رفضت الصين توريث الحكم إلى كيم جونغ إيل، وهو تدخل رأته بيونغ يانغ غير مقبول في شؤونها الداخلية، وإعلاناً صينياً بأن لبكين رأياً في من يحكم كوريا الشمالية.

تدهورت العلاقات أكثر عام ١٩٩٢، عندما اعترفت الصين بكوريا الجنوبية، الدولة التي تعدها بيونغ يانغ عدوها اللدود. وردت كوريا الشمالية على ما وصفته بالخيانة الصينية الكبرى بقطع العلاقات مع بكين، وتسريع مشروعها النووي، ثم الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي عام ١٩٩٣. وفي أوائل التسعينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار العلاقة مع الصين، فقدت بيونغ يانغ داعميها، وعاشت ما وصفه محللون بتجربة قريبة من الموت، مع مجاعة أودت بحياة مئات الآلاف واقتصاد على حافة الانهيار.

في الوقت نفسه، واصلت كوريا الشمالية بناء برنامجها النووي، ما زاد قلق بكين. وحين أجرت بيونغ يانغ تجربتها النووية الأولى عام ٢٠٠٦، وصفتها الصين بأنها انتهاك صارخ للإجماع الدولي، ودعمت لاحقاً العقوبات الأممية بحق كوريا الشمالية. ومع ذلك، ورغم استمرار البرنامجين النووي والصاروخي في بيونغ يانغ، عارضت الصين فرض مزيد من العقوبات التي قد تؤدي إلى انهيار الدولة الكورية الشمالية أو خروجها الكامل من دائرة نفوذها.

رغم سنوات التوتر المتراكمة، ظل خيط واحد لا ينقطع بين البلدين: المال والتجارة. ففي منتصف التسعينيات، بينما كانت كوريا الشمالية تعاني مجاعة شديدة وحصاراً دولياً، مدت بكين لها يد العون، والتزمت بتزويد جارتها بـ٥٠٠ ألف طن من الحبوب، و١.٢ مليون طن من النفط، و١.٥ مليون طن من الفحم سنوياً لمدة ٥ سنوات، وكان أكثر من نصف هذه الكميات مجانياً. وفي مطلع الألفية، كان نحو ثلث البضائع التي تدخل كوريا الشمالية يأتي من الصين، ثم زادت النسبة إلى نحو ٩٠% في العقد التالي. وحتى أثناء العقوبات الأممية، كانت بكين تؤيد العقوبات من جهة، لكنها لا تقطع العلاقات التجارية مع بيونغ يانغ من جهة أخرى.

لم تحدث الانفراجة الكبرى في العلاقة إلا بعد تغير قيادتي البلدين. ففي عام ٢٠١١ ورث كيم جونغ أون الحكم بعد وفاة والده، وبعدها بعامين أصبح شي جينبينغ الحاكم القوي للصين، لكنهما لم يلتقيا رسمياً إلا في مارس ٢٠١٨. ويعيد هذا التأخر إلى الذاكرة زيارة كيم جونغ إيل السرية للصين عام ٢٠٠٠، حين كانت كوريا الشمالية تستعد لعقد قمة تاريخية مع جارتها الجنوبية وفتح نافذة علاقات نادرة مع الولايات المتحدة. وتكرر المشهد مع الابن، إذ سافر كيم جونغ أون لأول مرة إلى الصين للقاء شي جينبينغ في مارس ٢٠١٨، بعد فترة قصيرة من موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على عقد قمة أمريكية كورية، وقبل شهر واحد من لقائه الرئيس الكوري الجنوبي.

في الماضي، وفر الانفتاح الدبلوماسي الكوري الشمالي على سيول وواشنطن دافعاً جديداً للطرفين لإصلاح علاقتهما بسرعة. وفي الحاضر، بدا كأن كيم جونغ أون يقول للصين إنه يحتاجها قبل لقاء تاريخي مع ترمب، بينما بدا شي جينبينغ كمن يقول لكوريا الشمالية إن عليهما اللقاء لضمان ألا يكون أي اتفاق مع الولايات المتحدة أو روسيا على حساب مصالح الصين. لذلك حرصت بكين على تذكير بيونغ يانغ بأن شراكتها الرئيسية ما تزال مع الصين، وأن العلاقة بين البلدين صنعتها دماء الحرب الكورية، فيما رأت كوريا الشمالية أن الانفتاح الدبلوماسي مع واشنطن وسيول لا يمكن أن يتم من دون مراعاة موقع الصين.

مرت ٧ عقود على هذا التحالف الذي ولد في خضم الحرب، لكنه ظل قائماً على تناقض دائم بين الاحتياج المتبادل وانعدام الثقة. فالصين تحتاج كوريا الشمالية حاجزاً استراتيجياً أمام النفوذ الأمريكي في شبه الجزيرة الكورية، وكوريا الشمالية تحتاج الصين سنداً اقتصادياً وسياسياً يمنع عزلتها الكاملة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا تنساها بيونغ يانغ أن من ينقذك يعرف أيضاً كيف يسقطك.
المصدر: الجزيرة
تم نسخ الرابط
من الموسوعــة